من شارع ابوشلبى .. متفرع من اول فيصل
7
شريط مثقوب
تحتضن يمناه الريشة وتأخذ فى تحريكها وتضبط يسراه شد الاوتار
حتىتصدر نغمته .. يتوسط القلم قلب الورق الاصفر ويسقط رماد سجائره فيأخذ نفسا
عميقا ويرشف رشفة قهوة ليعاود البدء ثانية .
يتصدر بوق أذنه صراخ مديره يستنجد بالشرطة وسط مشاجرة قامت بين
حميده عبّاد والمشترين من محل الاحذيه فيتحول حميده الى المدير ويصيبه بثقل حديدى
فى يده محدثا ارتجاجا فى المخ وفتحا طول اصبعه الوسطى .
تزداد مرارة القهوة فى فم حميده فيأخذ نفسا عميقا من السيجارة
ويمسك بالقلم مرتعشا داخل زى السجن رقم اربعين بطول عمره يقضى شتاءين بينهما صيف
ويخرج بعد رحيل سواد شعره .
يداعب حميده أوتار عوده لتطاوعه فيدق الباب ولايقوى على الحركة
فيدخل من بالباب خالعا معطفه .. يجلس على الكنبة الى جواره مترقبا تسوّيد الاوراق
.. لاتستقر عينا حميده الفزعه .. يفرغ من اجابة اسئلة الامتحان على ورق زميله
الجالس فى المقعد الذى يليه مقابل جنيهين .. يكتشف المراقب مايحدث .. يدخله الى
غرفة التحقيق .. يخرج بحرمانه من المتحان
لمدة عامين .
يعلو صوت الريس سعيد يطلب من حميده انهاء كتابة اللحن كى يسلمه
الى المايسترو ، ويترك له دفعة رابعة من الحساب .. يقلب حميده الدينارين خائفا على
أول راتب له من عمله كلبيس بمحل الاحذية فور تخرجه فى المدرسة الوسطى .. لم ينقطع
حميده عن مصاحبة عم جميل العوّاد فى الافراح والفرق الموسيقية حتى توفى منذ خمسة
عشرة عاما ، وحل محله فى فرقة الريس سعيد .. يكتب الالحان للمايسترو ويدخل شريف
ابنه المدرسة فتتركه زوجته ليلا فى صحبة اولادها بعد أن مزّق جسدها بالسوط
السودانى الذى ورثه عن ابيه بعد أن انتشى من الافراط فى الشراب ، وحين اصرّت على
ان تنتزع من جيبه جزء من ديون ابيها التى انفقتها فى مصاريف مدارس الاولاد ، ولم
تعد ثانية ليكبر الصغار فى حضن جدهم ، ويغرق حميده فى بحر عرق البلح وتغيير نساء
حواريه الضيقه .
يخرج الريس سعيد ويغلق الباب خلفه فيرشف حميده الرشفة الاخيرة
من فنجان قهوته العاشر ، ويشعل سيجارته العشرين ثم ينحى العود جانبا ويقف ليبحث عن
زجاجة العرق اسفل السرير وفوق الدولاب وفى أركان الشقة والمطبخ والحمام ليقابله
الفراغ فى كل الزجاجات الموجودة .. يفتح حميده الباب .. يعود الى النافذة .. يدخل
رأسه فى السلة المعلقة على النافذة .. يشتد تيار الهواء .. يخطف الدفعة الرابعة من
حساب اللحن ويلقيها فى منتصف الشارع .. يتابعها حميدة بلهفة وكل نصفه الاعلى حتى
نهاية عموده الفقرى .
ينظر صغير من المارة .. يلتقط الدفعة ويختفى .. يحملق حميده ..
تسقط رأسه على الكنبة ، وينتصب شعره الابيض .. تخرج عيناه تلهث وخلفها شبحه النحيل
الى اسفل السلم .
تقوده قدماه الى وسط الشارع .. يفترش الارض يبحث عن الدفعة
الرابعة .ز تتفاداه السيارات يمينا ويسارا ، وحين يزيد دوران رأسه يصفع وجه سيارة
فتنحرف عجلة قيادة السائق محدثة تصادم عشر سيارات .. تأتى سيارات الانقاذ تحمل المصابين ، ويرتدى حميده قميصا ابيضا بلون
الثلج لتقله السيارة الى المصحة .
تثبت نظرة حميده على ظلال الدفعة الرابعة ، ويتصدر بوق اذنه
اصوات متداخلة تضيع فى رحمها نغمة شاردة توقف قلبه ويمضى .
قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى
عضو اتحاد الكتّاب
عضو نقابة المهن السينمائيه
mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com
العنوان / 18 ش الجمهوريه متفرع من ش
المساكن
خلف مدرسة الشهيد احمد عبد العزيز
بواق الدكرور بالجيزه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق