من شارع ابوشلبى .. متفرع من اول فيصل
1بولاق الدكرور
32
ميراث الصغير
استيقظت نعمه قبيل فجر الجمعة .. تناولت الغطاء الساقط على
الارض وغطت ابنتيها .. توجهت الى الصغير عبده توقظه .. لم يطاوعها .. طال رجاء
نعمه .. لان الصغير .. استيقظ .. جهزت نعمه الصندوق على بقايا اللمبة الصاروخ ..
جاءته بكوز الماء .. غسل الصغير وجهه يقاوم النوم .. حمل الصندوق .. تعثرت أقدامه
.. وازن نفسه .. بدأ الصغير المسير .. أخذ ظلام الليل فى الانسحاب تتبدله خيوط
صبحية أولى .. تعود الصغير على هذه اللوحة الغائمة مع كل صباح كان يخرج فى صحبة
والده زغلول الحلبى ممسكا جلبابه يستدفئه .. يحتمى به فى عودته متفاديا اولاد
الحلب الاشقياء الذين يصرون على شج رأسه مع كل نزال لهم بجوار المدافن أو النزز .
كان عبده زغلول يحب اللعب مع اولاد الاشراف .. يتقافزون على
مصطبة السلطان الخشنة البلاط الحجرى ، واحيلنا يتأففون منه ، وفى عودته يختال
متفاخرا .
فاجأ عبده ثعلب مرّ طيف أمامه .. ارتجف الصغير .. ساقته قدماه
المتخبطة الى معجنة الطين المجاورة لقمين الطوب .. غاصت قدماه .. سبقه ابوه يعمل
فى هذه المعجنة خارجا عن سنة اولاد الحلب منذ جاء مع والده مبروك الحلبى هربا من
الخيّم والتنقل الدائم ، وكان مبروك ينتظر أم الفضل زوجته كل غروب عائدة من ضرب
ودعها واحضار خبزها ودخانه ، وزغلول لايلزم يبتهم .. كان يختلف الى قمائن الطوب
يعين العمال ، واخرى ينشط بقارب أحد الصيادين ليعود الى امه ببعض السمك للبيع
والعشاء .
استقر زغلول أخيرا بجوار اسكافى قديم يقبع غرب البلد بجوار
الترعة يرتق النعال وزغلول يمسحها .. حلم زغلول بالانخلاع من الاسكافى .. تمكن من
شراء صندوق لمسح الاحذية واتخذ أمام المسجد السلطانى مقرا له .
تزوج زغلول من نعمه بنت فايقه وانجبا عبده وبنتين وحملت
بالرابع ، ومع الشهر الثالث فى الحمل رحل زغلول ولم يكمل عقده الثالث سنة ابناء
الحلب يرحلون مبكرا .. رحل ابوه مبروك كذلك بدرى .. ولايعرف من شجرة هذه العائلة
الاالجد مبروك وتنقطع بعد ذلك المعرفة وكأن مبروك نبت شيطانى نشا غرب البلد ..
ايضا فايقه أم نعمه لايعرف لها فرع تنتسب اليه حتى ولو كان مرزولا .. يعرف فقط
جماعة من الحلب آووها وتربت بين ابنائهم الى ان تزوجت أحدهم وانجب نعمه ورحل صغيرا
.
خرج عبده من المعجنة .. حاول أن يتماسك .. أزال عن نفسه الطين
.. تذكر يوم أوقعه على حسن فى المستنقع أمام المسجد .. أخذه والده من يده الى بيت
حسن الشريف ، وطيّبت أم على خاطر زغلول وابنه حين جاءت لهم بصحن العسل ، وأخذ عبده
يأكل حتى شبع وألبسته أم على جلباب على القديم فعاد زغلول مجبور الخاطر الى مكانه
يوالى عمله .
كان عبده يسر مع قربه وتواجده بين اولاد الاشراف مع أذاهم له
أحيانا مع كل زيارة لنعمه فى بيت أحد الاشراف تحمل القمح الى الطاحونة القبلية
بالقرب من عشش الحلب .
يتقافز الصغير فى الطاحونة من أعلى السور الى الارض .. يلطخ
وجهه بالدقيق .. يقترب من امه .. ينظر اليها بوجهه الاسمر المطلى بالابيض معتقدا
خوف امه من ذلك .. تخاف نعمه على عبده ذكرها الوحيد من عروس الطاحونة الجنية
المحبة للاطفال تأخذه عن طريق السير الجلد وتحتفظ به بعد طحنه .
تمسك نعمه صغيرها .. تضربه .. لايكف عن اللعب ، وتعود نعمه
لتشد غرابيلها وتحلل الدقيق .. تشارك فى اليوم التالى فى عجنه وخبزه لتنال يعض الخبز
والعسل الاسود والجبن القديم من بيت عليوه وبعض الدراهم عن يومى عمل يليهما يوما
بيت جاد الله ثم يومى بيت حسيبه ، وتخصص نعمه يوم الجمعة لبيتها .. تغسل وتنظر
حاجاتها تدبرها وتحسب النقص لتكمله من سوق السبت .
جاوز عبده الطاحونة القبلية .. سار على الطريق الفاصل بين
قمائن الطوب وأرض السوق .. وصل الى سمعه من بعيد صوت آذان الفجر .. واصل سيره ..
بدأ الصبح يزيد من تباشيره والليل يعسعس .
يرتجف بدن الصغير عبده من نسمة البرد الصبحية .. يواصل سيره ..
بصل الى مشارف السوق .. يصك نهيق الحمير آذانه .. أصوات الجمال .. جلبة التجار
الوافدين ينزلون بضائعهم ويحتلون أماكنهم مخافة سطو الآخرين عليها لستعدادا ليوم
السبت يوم السوق .. توسط عبده المسافة بين البيت والمسجد السلطانى .. أغمض
عينيه .. استدعى صورة السوق كل سبت مع
بزوغ أول شعاع لشمس الشرق يخترق أسوار السوق الحديدية المتعامدة .
تأخذ نعمه صغيرها وتمر على زوجة عليوه وحسيبه وجادالله ..
تتناول دراهمهم لتشترى اللفت والجزر والحلبة والحبال والمقاطف والكحل والحناء
والطيب من صغار التجار القادمين من قراهم البعيدة ، وتضع نعمه يدها على قلبها فى
كل مرة مخافة ضياع عبده فى الزحام ورعبا من اندلاع نار الثأر بين العائلات الكبيرة
تثير الفزع .. يفر كل مافى السوق لائذا بالسلخانة المجاورة أوبمدافن الاقباط
والمسلمين ، وعادة ماكان يحدث عند قدوم الخصوم الى السوق ، ونادرا ماكان يحدث لحرص
كل عائلة على عدم منح الخصوم فرصة الاغتنام بالثأر .
شهدت نعمه ذلك مرة كما حكت لابنها ..كانت فى سن الصغير عبده ..
بوغت السوق بوابل من الطلقات النارية تعم رؤوس الاشهاد .. فرّ كل مابالسوق هرولة
وزحفا .. علت الصرخات والصغيرة اليتيمة نعمة تبكى نائمة فى حضن أمها فايقه الطحانه
منزوية متخشبة الى جوار أجولة العطار المتصدر مدخل السوق .
ومن بين المئات الموجودة بالسوق استطاع الرجل الممتطى صهوة
جواده أن يتصيد غريمه ويرديه قتيلا .. لم يخطىء قاتل ابيه .. بلغ حلمه .. عاش يؤهل
له منذ خمسة عشر عاما بعد السادسة من عمره وقت مقتل ابيه ، وأصل الخلاف أرنب أكل
بعض الحشائش من حقلهم .. ويشهد السوق كل موسم ضحاياه الجدد القادمين من قراهم
القريبة والبعيدة .. تتوقع نعمه ذلك كل سبت والخوف يملؤها .. يوما ما ستقع نعمه
ويفقدها اولادها والقادم الجديد كما تقول هى .
أسرع عبده الخطى علّه يلحق مصلى الفجر الاغراب عن البلدة
ليشهدوا ظهر الجمعة بالمسجد السلطانى وتتم لهم الزيالرة وقضاء بعض احتياجاتهم من
البندر .
وفق عبده أخيرا فى الوصول قبل السجدة الاخيرة .. جلس عبده أمام
الصندوق الورث .. أخذ فى الدق بالفرشاة .. أنهى المصلون صلواتهم .. توالى خروجهم
.. ضاع صوت دق الصغير .. استسلم للنوم .. زاره فى المنام لعب أولاد الاشراف ووالده
يوصيه بالمدرسة وامه واخواته .. خرج الصغير من المدرسة فى نفس العام الذى رحل فبه
زغلول وفى رقبته اختاه والقادم الجديد المتدلل الممتص لنعمه حتى جعلها خشبة غير
قادرة على العمل فى بيوت الاشراف .
استيقظ عبده من نومه فزعا .. ارتطم به الشيخ متولى البصير شيخ
كتّاب السلطان .. تعرّف الرجل عليه .. ربت على كتفه .. تضاءل الصغير أسفل اليد
الحانية .
كان متولى البصير يجاور زغلول بين كل صلاة وأخرى أمام المسجد
السلطانى على المصطبة .. جلس متولى الى جوار عبده .. دس فى جيب الصغير درهما ودعا
ربه أن يرفع الظلم عن العباد .
رغب متولى البصير فى الدخول الى قلب المسجد حتى قبيل الظهر ..
صاحبه عبده ليجلسه الى جوار عموده المفضل .. أجلسه .. خرج الصغير يهرول فرحا
بالدرهم .. وصل الى الباب .. توقف .. تسمّرت عيناه .. خلا المكان من الصندوق ..
أخذ الصغير يلف ويدور حول محوره ويسأل ولامن مجيب .. سقط الولد فى قلب المكان
المحور .. التصق بالارض .. سرق صندوقه الورث .
mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com
العنوان / 18 ش الجمهوريه متفرع من ش
المساكن
خلف مدرسة الشهيد احمد عبد العزيز
بواق الدكرور بالجيزه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق