من شارع ابوشلبى .. متفرع من اول فيصل
4
رحيل العنكبوت
تتدلل انثى العنكبوت .. تتهادى ثمانية الارجل يتبعها الزوج على
الجدار الملاصق لباب غرفة موارب على سطح منزل يتوه يتوه فى ميدان الزينى .. يطلق
العنكبوت خيوطه تمسك مؤخرة جبل القمامة الذى أقامه سكان الغرف الاربع أمام غرفة
القادم من أعلى النهر يهوى الغربة .
تتداخل الخيوط .. تتسع شبكة ضيقة العيون تبنى غرفات رقيقة تقبر
حشرات تتريض خارج المنطقة السكنية فى بطن الجبل بعدما أقامت متعدد الطوابق بعيدا
عن ساحة لهو العناكب تعلو رائحة العفن قمة الجبل القديم .. تبعث حيوية فى أوصال
الذباب فيفر الى الغرف المجاوره .
تحط ذبابة على حدوة حصان عربى أصيل فوق باب غرفة صابر البواب
فينفتح الباب .. يزعجها خروج بناته الاربع وولده الوحيد .. يتنازعون قطعة العسلية
لتكون من نصيب كبيرهم حرشه .. يقضمها ثمانى قضمات بطول عمره ويجرى الى الجدار .
تبحث الذبابة عن مكان نظيف على وجوه الصغار ، وتستقر بالقرب من
فم حرشه يمسح بيديه .. تفر الذبابة لتلصق بخيط ثمانى الارجل .. يزأر فتموت من
الخوف .. يبتلعها .
تتربع خديجة أم حرشه أمام الغرفة بعد نزولها خمس مرات تحمل
جردل الماء .. تغسل وتلقى بعفن المحلى بالبطاس فى قلب جبل القمامة أمام غرفة
العازب لتفقس اليرقات ويزغرد العنكبوت .
تنبض أصابع الحناء منذ شهر مضى لكف بلال عبد العاطى بعد عام من
وفاة ابيه مقيم الشعائر بزاوية السنيّة وخمسة وثلاثين عاما من وفاة أم الخير عقب
ولادته ، فقد وافق عبده هريدى العامل فى هيئة النظافة - من أعلى دراجنه البخارية
وخلفه صندوق القمامة - على زواج ابنته عبير فى عامها الخامس والعشرين من بلال
الوحيد الذى دق بابه يطلب يدها منذ حصولها
على الدبلوم وعملها مع ولد عبد العاطى موظفة فى المدرسة الالزامية المجاورة منذ
خمس سنوات يملأ عينيه فى المنام شراء غسالة وبوتجاز مسطح وثلاجة صغيرة يخزن فيها
الماء من الليل الى الليل التالى ، ويتمكن من طرد انثى العنكبوت بعد طلاء غرفته
بالجير الملوّن وشراء تليفزيون يردد مذيعه المطلى بالاسود جملة اعتلت مدخل الغرفة
الثالثة : ياداخل الدار صلى على النبى المختار .
يوقف ذكر العنكبوت نبض اصابع الحناء على الباب .. يكسوها بطبقة
سميكة من الخيط الاسود .. يشخص بصر بلال على مجمع الجدارين .. يتضخم ذكر العنكبوت
يملأ الغرفة .. يلفظ ولد عبد العاطى خارج الغرفة فيجلس القرفصاء .. يرفع عبد
الودود الشيخ بسنه الستين طرحة زفاف عبير ويرقد على ثلاثة من البيوت الملك وورشة
حداده .
ترسم خيوط العنكبوت ظلالا تحجب الضوء عن المكتوب يحمى أهل دار
عبده هريدى الفومى من الحسد والعين التى تفلق الحجر ، ويخص بالذكر القادم من اعلى
النهر الزائغ العينين والعياذ بالله .. كما يقول عبده أبو عبير وساميهوسحر وهدايه
ومنة الله ، وخمسه وخميسه على صدر كل بنت من بناتى : تقول فتحيه واليوم الخميس
تطلق البخور ليستقر عادمه على بقايا بيوت العنكبوت بسقف الغرفة .. تزيله ساميه
بعصا على رأسها نصف جلباب ابيها القديم .. تنزل عينيها تقرأ ماكتب علاء النقاش بخط
النسخ : ماتبصليش بعين رديه بص للى مدفوع فىّ ، وتلقى تحية الصباح على حلاوتهم
التى تسد بجسدها باب غرفتها الكبير .. تنفض المرأة مياه شعر رأسها فى وجه زوجة
ابنها علاء بعد عمر طويل ، وهى ترد التحية .. يتسلل من خلفها عبد القوى حايل محنى
الظهر يتوكأ على عصاه التى تعين ساقه الصناعية ، ليجلس على المقهى فتلمحه بطرف
عينها تكرر : والله مانت نافع فى حاجه .. يختفى الرجل ، وتعود المرأة لتحيى بقية
بنات عبده وتنتظر ليلة دخول أولادها
الثلاثة علهن مرة واحدة .
تمسك حلاوتهم بخيوط العنكبوت وتلقيها على مدخل باب الغرفة
الموارب تسده .. تذكر نصيحة النائم داخلها منذ عشرين عاما ليتحقق حلمها بعد دفع
مقدم الشقة الجديدة ادخار عشر سنوات من عمل اولادها الاربعة علاء النقاش ووائل
السمكرى وهيثم المكانيكى وصلاح النجار فلم تدخل اى منهم مدرسة كما اوصاها الغريب
القادم من أعلى النهر .
ستستقر المرأة فى غرفة مع زوجها ، وتزوج كل واحد من ابنائها فى
غرفة مستقلة .. يجتمعون فى الصالة مساء كل خميس يشاهدون مسرحية بيومى افندى
ويضحكون .
تتجمع خيوط صف طويل من العناكب .. تنسج قضبانا أمام وجه
حلاوتهم فتبعدها باليدين .. يهرب كرشه المقاول بمقدم السبع عمارات فتسقط حلاوتهم خلف قضبان العناكب .. تحرك سواد
عينيها .
تنتعش انثى العنكبوت يتبعها الزوج ينسجان الخيوط فى انتظار
حشرة تتمايل .. يوصى المسؤلون عبر المذياع الترانزستور بالبطاقة وحرق الزبالة
المكدسة أعلى أسطح المنازل .. تثور العناكب وجحافل الذباب تبحث عن مساكن جديده ..
تزحزح الباب الموارب .. تستقر على وجه النائم على حصيرته .
يزحف العنكبوت على أطلا المرتبة المكوم واللحاف الممزق فى
الركن المظلم من الغرفة المعتمة .. يصعدون الى النافة المحشوة بالكرتون ..
يتعانقون ويظل الغريب نائما .. يتزاحم الذباب على وجهه بطول شعاع الضوء الوحيد
الذى يخترق الورق المقوى .. يستيقظ ينهر الذباب .. ينظر الى يمينه .. تمسح عيناه
الارض .. تترك بيتا للعنكبوت ومصيدة الى جوار الحلة .. يتناول آخر قطعة خبز مبلول
يلقيها فى جوفه ، ويمسح وجهه ببقايا لحافه الممزق .. يلعن آباء وامهات مالك المصنع
ومديره الجديد الذى قرر الاستغناء عنه فباع آخر كتاب لديه فى غرفته العتيقه .
يجف الماء .. تتلاشى فتات الخبز .. يزهد الذباب المكان فينطلق
بعيدا .. تتقلص امعاء العناكب .. تصرخ .. تقسو خيوطها .. تلتف حول المنزل ..
تعتصره .. تتسلقط الجدران .. تتكوم الخمسة أدوار وغرف السطح الاربع .. يعتلى
الغريب الانقاض زحفا على ظهره .. ينظر الى الازرق الصافى البعيد .. يقرر العنكبوت
الرحيل ، وتتدلل كل انثى يتبعها الزوج وراء سرب الذباب الطويل يبحثون عن مسكن جديد
.
قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى
عضو اتحاد الكتّاب
عضو نقابة المهن السينمائيه
mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com
العنوان / 18 ش الجمهوريه متفرع من ش
المساكن
خلف مدرسة الشهيد احمد عبد العزيز
بواق الدكرور بالجيزه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق