الجمعة، 18 مارس 2022

 عوالم الغجر


115

لالو لوزه الرقاق



من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



لالو لوزه الرقّاق



يشير لالو الى عوض كى يخفف من شدّ لجام ذكيه الحماره العجوز حتى لايسقطه على الارض فينصاع الصغير الى امر ابيه فى أول درس له كحمّار .. اصبح لالو غير قادر على تحريك اليد اليمنى والقدم بعد اصابته بالشلل فى آخر ليلة عرس كان يحييها تحت اسم لوزه الرقاق كاسم مستعار لم يكتشف حقيقته أهل حى  تل مبيركه الافى اليلة المشؤمة التى اصيب فيها لالو .

كان لالو يتحول الى لوزه كل مساء عندما يرتدى فستانه ويضع اصباغه ليصبح اجمل امرأة بين نساء التل  لشدة بياض بشرته الناصع فيطمع فيه كل الرجال ، ويبدأ فى الدق على الرق لترقص كل نساء الحى ويغنى بصوت اعذب من صوت دنار اشهر  مغنية بواحات الصحراوات الثلاث  فيصمت كل رجال العريس فى الخارج كى يتمتعوا بصوت لوزه الجميل داخل خيمة النساء .

يبدأ عوض ابن السبع سنوات فى الدق على الدف لترقص على ايقاعاته لوزه فتفتح كل النساء افواهها ويتعلمن فى مدرسة لوزه اصول فن الرقص .. يخلع لالو شعره المستعار مع اول ضوء للصبح ويجهز مع عوض ابنه حمارتهم ذكيه كى يحملان الاعيان من جسر واحة الصحراء الوسطى الى الحى فتتسع عيون نساء القرية تتابع متفرسة جمال لالو الاخاذ وتتوحم كل حامل علي طوله الفارع وعيونه الملونة وشعره الذهبى لان أصوله اعجمية كما ردد الكثير من عواجيز التل  .

يعود لالو وعوض الى الخيمة  مع غروب الشمس ليتناولا غذاءهما وينالا قسطا من الراحة استعدادا لدقة زار زوجة كبير حى مبيركه .. تتفنن لوزه فى استخراج الجان الذى يسكن جسد هنيه الموينى زوجة غرباوى الغندور الغجرى  وترقص كل نساء التل  حولها .

تعلو دقات لوزه وصاجات عوض الصغير حتى تتساقط النساء من الاعياء مع دموع عوض حزنا على امه مسعوده التى تركته العام الماضى وفارقت الحياة  بعد مرض شديد فى صحبة لالو زوجها فورث الصغير الصاجات ولون امه الاسمر وتعلّم الدق على الدف من لوزه الرقاق .

يأتى فرح بهيجه بنت هريدى ابوصوير فيصفو صوت لوزه لينقض عايد ولد هريدى على لوزه وهو ثمل وسط نساء التل  ويحاول اغتصابها فيضيق نفس لوزه لثقل جسد عايد وتصاب بالاغماء فيتم استدعاء طبيب الوحدة الصحية بحضر ربيعه وتخف النساء من ملابس لوزه فيكتشفن حقيقة التى تهافت عليها الرجال ، ولالو الذى عشقته كل النساء .. يصاب لالو بالشلل فيأسف الجميع على ماأصاب الحمّار الذى كان ينقل ضعيفهم وكبير سنهم على حماره من مكان الى آخر ، ويأسفون على لوزه التى كانت تنعش لياليهم الجميله ، ولزم لالو الفراش بأمر من طبيب الوحدة حتى صرح له بالحركة بعد ستة أشهر  فأخذ فى نقل خبرته كحمّار الى صغيره عوض الذى تعلم من لوزه الكثير .


قصة قصيرة ل / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


=======================================================


 عوالم الغجر


114

كأس من دم امرأة



من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



كأس من دم أمرأه



    لعنت سالمه ابراهيم عوض كأس دمها الذى عجّل بنهايتها ، وأغرقت دموعها ساحة العدل فسقطت خلف القضبان تطلب الرحمة من فضيلة القاضى . 

    نظرت سالمه من وراء قضبانها الحديديه الى عيون عطيات واولادها الخمسه امام وحقى وصباح وأسرار وكريمه لترى فرحة الانتصار عليها .. كانت سالمه قد تزوجت من اسماعيل غريب حنفى الموظف بخاصة عليكه بحضر رئيفه وزوج جارتها عطيات الشحات حميده بعد علاقة دامت فى الخفاء أكثر من ثلاث سنوات قرر اسماعيل بعدها أن يهجر خيمته  وينتقل الى خيمة  سالمه أرملة صديقه حامد عبد الحافظ مبرزك الذى تركها وحيدة بدون سند فأغلقت خيمته  الخالية  من البضائع . 

    أمسكت الحارسة بكتفّى سالمه لتعينها على الوقوف وتلحق بالترحيلات فتابعتها عيون امام اسماعيل أكبر ابناء عطيات والذى تسبب فى القبض على سالمه .. أبعدت سالمه عينيها عن العيون الشامتة واستدعت عيون أبيه اسماعيل التى زاغت على مبروكه عطيه عوض ابنة خالتها التى كانت فى زيارتها قادمة من تل غجر رويحه  بالصحراء الوسطى  ، وأفضى اسماعيل اليها برغبته فى الارتباط فصارحت ابنة خالتها برغبة زوجها فقررت سالمه أن تتخلص منه ، وأعدت له شربة الكوارع الجملى  التى يعشقها وأخذت كأسا من دمها وخلطته بالشربة وراقبته حتى فرغ من آخر رشفة وتركته لينام وتابعته طوال الليل حتى تتأكد من تأثير الدم فى جسده لتتركه جثة هامدة فتضمن الثمن من معاشه ولايلقيها كما ألقى زوجته وأولاده من قبل . 

خيّب اسماعيل ظن سالمه واستيقظ فى صباح اليوم التالى لكنه لم يقو على الذهاب الى عمله وسقط فى الطريق أمام خيمته القديمه فأسرع أولاده يحملونه الى الداخل ويخبرهم بما كان من شربة الكوارع التى تسببت فى هزاله وعدم قدرته على الوقوف والسير ، ولم تمض ساعات قليلة حتى رحل اسماعيل بين ابنائه وزوجته القديمه . 

  أبلغ امام اسماعيل غريب المخفر الذى أمر بتشريح الجثة  فى مشفى الحضر ، وكشف تقرير الطب الشرعى عن التسمم فتم القبض على سالمه ابراهيم عوض واعترفت بعد أن ضيّقوا عليها الخناق بما فعلته فحكم فضيلة القاضى عليها بالاعدام فى ساحة السوق الكبير لتكون عبرة لغيرها من النساء . 

    اختفت عيون القاعه التى كانت تتابع سالمه ودفعتها الحارسه الى  ابل الترحيلات التى ستحملها الى سجن النساء الكبير بالحضر  فى انتظار تنفيذ حكم الاعدام بسبب كأس من دمها.

 . 

قصة قصيرة ل / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


=======================================================


 عوالم الغجر


113

قلب الشجره التل


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات


قلب الشجره التل


يتمزق قلب الشجرة المعمّرة التى تمتد جذورها الى مالايقل عن ألف عام مضت ، ولم تتمكن بلدية من البلديات فى العصور المختلفة مع تعاقب الحكومات تقليم فروعها أوحتى قطعها .

تآزرت أظافر الأجيال المختلفة من الصغار ونحتت فى جسم الشجرة حتى تمكنت من صتع تجويف كبير داخل الشجرة المعمّرة ، واحتلها المعلم نادى بشله الذى جعل منها غرزة بوضع اليد ومنذ ذلك التاريخ القديم الذى لايعلمه أحد لمجىء كل سكان الحى بعده فقد سمّى درب الشجرة المعمّرة أعلى قمة تل بشله  الغجرى  باسمه وسمى قلب الشجرة العجوز بغرزة  المعمرة وذاع صيتها فجذب انتباه كل ابناء القبائل الكبيرة ليشاهدوا عجيبة من عجائب الدنيا ويرتبطون بها بعد شربهم للقهوة التى يخلطها بشله بمقدار ضئيل جدا من زيت الأفيون فتشعرهم بحيوية الأسود التى شهد لها كل نساء الكون طوال الليالى الدافئة التى صادقن فيها شباب درب  الشجرة العتيقة عبر الدروب  الفسيحة بعد تجوالهم فى مزارع  واحة الوسط للمخدر بمختلف ألوانه التى تشيع البهجة فى قلوب الصغار والكبار فيتعاطونه ليل نهار .. يحلمون بلاشىء وسط الأخضر الذى يهب القوة والمياه المغردة فى سقوطه من شلالات التلال المرتفعة .

التقط عجوه ابن المعلم نادى بشله قطعة متوسطة الحجم من ثمار زهور الخشخاش ووضعها أسفل لسانه فمنحته قوتها ليهدم الجدار الذى يستند عليه حين شعر أن صدره يضيق ليقتله ، ثم أخرج علبة تبغه وأخرج سيجارة ليفرغ نصفها العلوى من التبغ ويحشوه بنبات البانجو .. أشعل السيجارة .. أطال النظر اليها .. لم يشعر بسقوط عود الثقاب المشتعل من بين أصابعه ..سرت النيران داخل مزرعة البانجو الجاف التى يمتلكها المعلم بشله خلف الشجرة العتيقة بوضع اليد أيضا ، وانتقلت بسرعة ضوء القمر الذى يحادثه عجوه الى حقل الخشخاش المجاور وقلب الشجرة المعمّرة .. سد الدخان الكثيف أنوف أهل درب بشله فسقطت رؤسهم بين أيديهم ، والتصق زبائن المقهى بالمقاعد  الجريدية حتى تفحموابمقاعدهم  كما تفحم عجوه وأبوه بشله وأهل الدرب  المسمى باسمه فى قلب خيامهم  بتل الغجرى بشله ، وتاهت معالم الشجرة العجوز بعد أن حمل الهواء رمادها الى البعيد لينسى أهل القبائل  قلب الشجرة التل .

.

قصة قصيرة ل / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


======================================================


 عوالم الغجر


112

الرماديون


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات




الرماديون


يستقر الدرب الرمادى فى وسط الواحة  الكبيرة ويقسمها الى النصفين النصف البحرى والنصف القبلى  حيث يستقر غجر ربايعى على الحد الفاصل بين الصحراوين .. يتشح النصف البحرى برقة طبع أهله وليونة لهجتهم التى تميل بشدة حتى تصل الى سطح بحر الملح  الكبير ..

ينزع اهل النصف الآخر الى الشدة فى الطباع وسوء السلوك الذى يميل الى العدوانية كلما اقتربوا من أشعة الشمس الحارقة مما أدى الى عدم اهتمام المسؤولين وانصرافهم عن أهل النصف القبلى الذين يملكون منابع الماء التى تروى كل واحات الصحراوات الثلاث وتتسرب الى آبارها الجوفية والعيون   بدون مقابل ، ويسيطر الفقر على اهل الجنوب وتغلب البشرة القاتمة على اجساد ابنائهم  .

ينعم ابناء الشمال بنسائم بحر الملح  الكبير والطمى الذى يحمل الخير الكثير الذى ينتج أكثر من غلة واحدة فى الموسم الواحد من مواسم السنة الاربعة فتبتهج بشرة الفلاحين ، ويلّون أحمر الدم وجنات الفتيات الشديدة البياض .. تمضى فصول ثلاثة من السنة ويأتى الشتاء قاسيا فيغطى المناطق الشمالية بالجليد الذى يصيب كل  شيىء بالسكون فتفقد الكائنات حيويتها لمدة ثلاثة شهور  ، قد تصل فى بعض السنين الى خمسة حتى يجيىء الربيع فيعيد الجمال الذى تتسم به المناطق لكنه لايقوى على تغيير اى ملمح من ملامح الجنوب العنيد فيفر الكثير من ابنائه الى الدرب الرمادى فى منتصف الواحة الكبيرة ليلتقون بالمنبوذين من ابناء الشمال الذين ملّوا ليونة حياتهم ويسعون الى الخشونة فتجد الفتيات ماتبحثن عنه .

ينسجم الرماديون من أهل الشمال والجنوب وتطيب لهم الاقامة بين المنطقتين . يبدأ الدرب الرمادى فى الاتساع ليحتل بعد سنوات قليلة خمسا جديدا من الشمال وخمسا آخر من الجنوب ، وتتوافد اليه فى مواسم الشتاء جماعات الراغبين فى الاكتساء باللون الرمادى غير المحدد والتائه بين الابيض والاسمر .

يتزاوج القادمون من الجنوب بالقادمات من الشمال فيصبح لابنائهم أخوالا بلون الثلج وأعماما بلون الليل فيقضون مواسم الصيف لدى أخوالهم ومواسم الشتاء عند أعمامهم ويقيمون فى الربيع والخريف بالدرب الرمادى الذى أذاب الحدود بين النصفين وصبغ طباع اهل الجنوب بالنعومة وكسا ابناء الشمال خشونة ليلتقى الاثنان فى منتصف الواحة الكبيرة ويتلونون باللون الرمادى  تحت مرأى ومسمع غجر ربايعى.


قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com

 






 عوالم الغجر


111

الرايه


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات


الرايه


يمد الصغار أيديهم  بالخبز الى بشير فهيم كى يحصل كل منهم على بعض من الراية المملحة الملفوفة فى أحضان الورق الاصفر .

يقف بشير فهيم  صغيرا لم يتجاوز الثامنة عند ملتقى مقابر غجر مروس فى صباح يوم عيد الفطر المبارك حيث يعشق الصغار الملوحة بعد صيام دام ثلاثين يوما .

يرش بشير قليلا من ماء الملوحة على سمك الراية الصغير الذى أمامه فى قلب الصفيحة الكبيرة حتى تروق لعييون الصغار المتزاحمين حوله يكررون :  برغيف رايه .. بقرصه .. بكعكه .. ببرتقاله .. ببعض التمر .

يسرع بشير الى لف اللفائف فيفرح الصغار بافطارهم المنفصل بعيدا عن أسرهم الى جوار سور جبانة قبلى الواحة بتل غجر مروس  ، ويحصد بشير فى يوم العيد مقابل سبع صفائح يضعه فى الجوالين اللذين بجانبه حتى يمتلئان وتفرغ الصفائح ليسد احتياجات فهيم عثمان والده المريض بالربو من كثرة تعاطيه للتبغ المعسل القص الساخن ، وأمه نعمة الله حفظى لمدة شهرين وعشرة أيام الى أن يأتى عيد الأضحى المبارك ليأتى بصفائحه السبعة التى يملكها فهمى عثمان مليئة بسمك الراية المملح ليبيعها فتسد حاجتهم لمدة شهرين آخرين وعشرة أيام ليبدأ بشير فى خروجه الدائم بعد ذلك حاملا صفيحة واحدة أيام الجمع والآحاد حين يطلع الأحياء على موتاهم ترحما ، ولايبيع بشير فى هذه الأيام الا القليل من الراية المملحة حتى أن الصفيحة الواحدة تباع على مدى ثلاثة أسابيع فيقل جهد نعمة الله حفظى فى التمليح وفهيم  عثمان فى لحم الصفائح ، ولاينزل بشير عين الواحة الا ليوم واحد بينما ينزل قبل الاعياد أيام السبت والاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس ليصطاد سمك الراية ببطن جلباب أمه القديم ، وتسرع نعمة الله الى وضعه طبقات فوق بعضها يفصل بينها الملح الكثير وقليل من بقايا بشير لتعجل من تسويته ، ويقوم فهيم عثمان بتسخين مكواته الحديدية  على النيران حتى تتحول الى اللون الاحمر فيضع ماء النار على أطراف غطاء الصفيحة ويحكم اللحام ، وحين يفرغ من صفائح بشير يتجه الى مخازن تجار الملوحة الكبار - ومازال يسعل بقوة - ويبدأ فى لحم الصفائح لتخزن ويتم توزيعها على اسواق الحضرالذى يحب السمك المملح .

برغيف رايه .. بقرصه .. بكعكه .. ثم تختفى أصوات الصغار ايذانا برحيل النساء والصغار عن المقابر لتحمل نعمة الله حفظى جوالا من خير ربنا ، ويحمل بشير الجوال الثانى ويسبق أمه الى المنزل ليستحم ويرتدى جلبابه الجديد كى يلحق بالمراجيح التى تعلو به فى أجواء الفضاء ثم تهبط به الى الأرض مع اقتراب رحيل الشمس ، وليشاهد خيال الظل والأراجوز ومازالت رائحته تفوح بماء ملوحة سمك الرايه .

قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


=====================================


الخميس، 17 مارس 2022

 عوالم الغجر


110

الدبه البيضاء


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات




الدبة البيضاء


خرجت الدبة البيضاء تبحث عن لون آخر غير اللون الذى يحمله أفراد جماعتها منذ زمن بعيد فلقد ملّت الدبة اللون الذى يعكس كل أشعة الشمس ويحرمها من الدفىء الذى تشعر به الدببة الملونون  التى تمتص جلودها كل أشعة الشمس لتخرج ألسنتها من شدة حرارة الأجساد .

غادرت الدبة البيضاء أرض قومها فاتسعت المسافات وتعددت الطرقات أمامها فتحيّرت فى دخول أى من الطرق الوعرة أو الممهدة التى فقدت الأشارات الدالة على وجود جماعات من الدببة الملونة مع نهاية أى طريق منها .

صرخت الدبة البيضاء فى الفضاء ليأتيها الصدى ، ولم يأتها بصوت آخر .. صمتت الجميلة لتستمتع بترديد نهايات صوتها ثم وصل الى أسماعها همهمات بشرية فدارت بجسدها حول محور ارتكازها وفتشت بعيونها عن مصدر الهمهمة  لتجد الصمت فدخلها الخوف من المجهول الذى ينتظرها على أيدى البشر .

تقدم الدبة قدما وتؤخر الأخرى تجاه الطرق التى أمامها ، وأخيرا قررت العودة من حيث جاءت واستدارت لتعود وانطلقت بكل ماأوتيت من قوة فرارا من الأيدى المختبئة .

حالف الحظ الدبة البيضاء لمسافة مائة مترا ثم ارتفعت فى وجهها الشباك الليفيه المتينة لتطرحها أرضا ثم تتكالب عليها سائر الشباك لتنقلها الى أقفاص الصيادين .. تم حقن الدبة بمهدىء فشعرت بدوار شديد كاد أن يعصف برأسها واستكانت لحالتها خلف القضبان .

جاء الصيادون بدبة بيضاء صناعية فى نفس حجم الدبة البيضاء المتمردة ، وتم تحريكها بالريموت حتى استقرت فى وسط الساحة الفضاء وأصدرت أصوات الاستغاثة المسجلة فى داخلها ليخرج حشد من الدببة الملونة من كل الطرق المؤدية الى مركز الساحة حيث صوت الدبة البيضاء الصناعية .

التفت الدببة السمراء حول الدبة البيضاء التى توقف مسجل الصوت داخلها فراحوا يتشممون رائحتها  التى لم تحلو لهم وكانت غريبة فانصرفوا عنها لكن شباك الصيادين لم تمكنهم من المغادرة فالتقطت عددا كبيرا من الدببة التى تم حقنها بالمهدئات  ، وتم شحنها على الناقلات  لتأخذ طريقها الى الميناء حتى يتم نقلها الى حدائق الحضر الكبيرة  .. فرّ بعض من الدببة الملونة وعادت الى مخابئها  .. رأت الدبة البيضاء مايحدث ورفضت أن تكون طعما للملونين من الدببة  حتى تمكن الدببة السمراء من تحطيم الدبة الصناعية أمامها فى اليوم الخامس ، ولم يبق أمام الصيادين سوى الدبة البيضاء المتمردة فتم حقنها وتجويعها وزجّ بها الى قلب الساحة  ، وأوسعها الصيادون ضربا فأصدرت أصوات الاستغاثة من شدة الضرب فأسرع الصيادون الى الاختباء ، وجاء الدببة الملونون والتفوا حول البيضاء وسال ريقهم لكن سرعان ماأفاقوا الى أنفسهم وأرادوا أن يتأكدوا من حقيقة جنس البيضاء فانهال الجميع نهشا للبيضاء فتزيد من استغاثتها حتى سقطت ميتة بعدما تسببت فى الايقاع بعشرين من الدببة الملونة ، وفقد الصيادون الدبة  البيضاء المتمردة .

   

قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


==================================================


 عوالم الغجر


109

الخرزه



من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



الخرزه


تبحث سونه النونى عن خرزتها الزرقاء التى وضعتها أمها دوسه الرايق على صدرها فى لحظة ميلادها لتحميها من شر  عيون اولاد الغجر الحاسدين ، ولم  تفارقها لحظة حتى خلعتها لتضع القلادة التى أهدتها اليها عميشه خفناهى المسبله لتعيّنها مديرا لدائرة الخبز بدلا من غريمتها معزوزه الوردى التى تنازعها فى تبوء كل الدوائر والمناصب منذ تم تعيينهما فى يوم واحد بسن واحدة لاتزيد يوما أوتنقص .

تقلّب سونه فى كل الاوراق التى أمامها على المكتب ، وتركع عميشه على ركبتيها لتبحث أسفل المكتب عن الخرزه العزيزه على قلب سونه النونى رئيس المعايش بدائرة التمويل الداخلى فلاتجدها وترسم علامات الحزن على وجهها لتشارك رئيستها المشاعر على الفقيدة الغالية .

تضع سونه يدها على صدرها وتتحسس مكان الخرزة الزرقاء المحفور منذ زمن بعيد فتصطدم يدها بالقلادة الذهبية وتنظر الى عينى عميشه الدامعتين فتطمئن الى مشاركتها الوجدانية فتتماسك وتعاود البحث ثانية .

تحاول سونه الوقوف والاتجاه الى منتصف الخيمه حيث يوجد اناء الورود الخزفى الذى يتوسط المنضدة الجريد القصيرة التى تجلس عليها عميشة بعد كل محاولة للبحث عن الخرزة الزرقاء .. أفرغت سونه كل الورود الصفراء التى تعشقها من الاناء الخزفى وأدخلت يدها تتحسس كل الجوانب الخشنة فى الاناء فلم تجد خرزتها الحبيبة هدية الغالية دوسه الرايق .

تعيد عميشه خفناهى المسبلة الورود الى مكانها وتفتش بعينيها فى أركان الغرفة فى محاولة جديدة للبحث عن خرزة سونه فلاتجدها .. تزلزل صرخات معزوزه الوردى باب غرفة سونه المجاور لباب غرفتها فتسرع سونه وعميشه الى نجدتها فتزداد تقلصات بطنها ، ويتم نقلها الى وحدة الرعاية بالدائرة التى تقوم باجراء الاسعافات الأولية والتى لم تفلح ، وتكشف الاشعة عن استقرار خرزة سونه الزرقاء فى معدة معزوزة بعد شربها لكوب  شربات الورد فى مكتب سونه ولم تفلح محتولات الاطباء فى استخراج الخرزة الغالية .

حزنت سونه النونى كثيرا على هدية أمها التى كانت تحميها من عيون الغجر الزرقاء  وتجلب لها الحظ .. لم تكد سونه تجلس على مكتبها حتى صدر قرار رئيس دائرة التمويل بتعيين معزوزه الوردى مديرا عاما للمعايش بدلا من سونه النونى بعد أن جاءها الحظ مسرعا على يد الخرزة الزرقاء المختبئة داخل معدتها .


قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


====================================================


 عوالم الغجر


108

التوكسافينى


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



التوكسافينى


يستدرج عزت عزيزالتوكسافينى أمين مخزن المبيدات بالشونه الى الخارج مفتعلا مشاجرة مع خفير المخزن فيخرج عرفان عوف مسرعا ليخلص الخفير مخيمر من بين يدى عزت الذى سيوسعه ضربا مدعيا ان الخفير ألقى عليه كناسة المخزن فاتسخ جلبابه الوحيد الذى يملكه ... قصة لايمل عزت عزيز من تكرارها يوميا ، وينسى كل يوم ضربه لمخيمر الخن أمس واول امس وكل امس .

يتسلل غراب حموده من خلف امين المخزن .. يحمل كرتونة التوكسافين ، ويخرج بحيث لايراه سوى شريكه عزت عزيز ، وحين يطمئن على خروجه ينهى الشجار مع مخيمر قابلا اعتذار عرفان عوف ، ويمضى فى طريقه ليلتقى بغراب فى مخزن الشونة القديم المهجور، الملاصق لزاوية  تل  غجر الحميدان المطله على واحة الصحراء الكبرى..

يبدأ عزت فى خلط المحلول وتخفيفه  الى الحد الذى يراه مناسبا كى يتم استخدامه كمبيد للحشرات الزاحفة والطائرة التى انتشرت على ربوع اسرة التل الجريد ، ولن يغادرها الابالمحلول الذى يحضره عزت عزيز من نسبة تخفيف المحلول وخلطه بالماء والكيروسين وبقايا زيوت مواتير المياه  حتى يتمكن الصغار بالتل  من شمه ليذهب بهم الى خيال الخيال .

يشم عيد الاشرم الشمة الاولى يتبعه خليفه القشيرى ثم عبد المنعم الرعاش فعشرة وعشرين وثلاثين حتى يبلغ العدد مائة فى ليل تل غجر  حميدان .

يتصاعد النفاذ من أنوف الصغار الى الادمغة وتغلى الاجسدة فى الشتاء القارس ... ينعدم احساسهم بالبرودة .. يلقون بأنفسهم فى قلب عين الماء لتهدىء من غليان اجسادهم .

يدغدغ ماء العين اجساد الصغار فيمرحون حتى الساعات الاولى من صباح اليوم التالى .

تستقطب دوامات العين الغاضبة خمسة وعشرين صغيرا .. يظل الصغار يلفون فى دوائر الدوامات حتى لايستطيعون المقاومة فيستسلمون للماء يخترق اجوافهم حتى تمتلئ ويكف النفس عن الدخول والخروج .

يخرج من العين خمسة وسبعون صغيرا يعودون الى خيامهم ، ويظل اهالى الخمسة والعشرين الاخرين يبحثون عنهم فى كل مكان حتى يعثروا عليهم جثثا طافية على وجه العين المتسعة بعد ايام.

يدأب عزت عزيز على زيارة مخزن مبيدات شونة التسليف ويتشاجر مع الخفير مخيمر الخن ، ويفض عرفان عوف الاشتباك اليومى ويعتذر ، ويقبل عزت الاعتذار ، ويمضى بعد ان يحمل غراب حموده حصة التوكسافين المسروقة ويمضيان الى مخزن الشونة القديم المهجور الملاصق لزاوية تل غجر الحميدان ليبيع مبيد الحشرات الزاحفة والطائرة ويهب الصغار شم خيال الخيال كى يسبحون فى العين الوسيعة ، ويعانق ماء العين  خمسة وعشرين صغيرا  آخرين تطفوا جثثهم على وجهه بعد ايام.


قصة قصيره ل : محمود حسن فرغلى

عضو اتحاد الكتاب

عضو نقابة المهن السينمائيه

mahmoudhassanfarghaly@gmail.com 


========================================================================


 عوالم الغجر


107

التتكتاكى



من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



التتكتاكى


يعدو التتكتاكى بأقصى سرعة على ظهور ابل القوافل  المنطلقة من أعالى الجنوب الى اسفله حيث بحر الملح الكبير  والعكس ، أكثر من ألفى كيلو مترا فى رحلة الذهاب ، ومثلها فى رحلة الاياب  .

ولد التتكتاكى منذ اكثر من ستة عشر عاما على ظهر أحد الجمال .. ولدته امه رزيه الداكن الغجريه عقب عام من زواجها من سمير ريشه الملقب بأمير السطو على  ظهور ابل القوافل فى  رحلاتها التجارية من الجنوب الى الشمال والعكس ، ورحلت رزيه لاصابتها بحمى النفاس لتلحق بزوجها الذى قتل بيد عمار سيد ابن عين القابلة والذى كان ينازعه امارة  السيطرة على ظهور ابل قوافل التجارة فصار عمار اميرا لغجر السطو عبر الدروب الطويلة

يشب الصغير حنكى تحت بصر عمار سيد غجر الصحراوات الثلاث ، ويبرع فى مهنة القفز والسطو على اظهر الابل  فاعتبره عمار ابنا له ونسبه الى نفسه .

اطلق على حنكى  التتكتاكى لرقصه على ايقاعات خطو الابل وشخاليلها  كلما بلغت به النشوة ذروتها ، وعادة ماتبلغ نشوته الذروه بعد دخوله على زوجة جديده من بنات ليل دروب الاحياء الغير مستقرة  التى يوقعها فى شباكه ، ويزف اليها فى الليالى القمرية، وعقب الدخول يظل التتكتاكى يعدو ويوقع خطوات  رقصه على ايقاعات سير الابل المشخلله  مرددا بأعلى صوت : تتكتاك ..تتكتاك .. تتكتاك ، ويكرر وراءه كل المسافرين على ظهور ابل القوافل  تتكتاك .. تتكتاك .. تتكتاك حتى لايعرضوا انفسهم لبطش حنكى وتشكيله العصابى  وحتى تاريخه  لم يتم حصر الزوجات اللاتى دخل بهن  التتكتاكى .

يزيد التتكتاكى  من دخل ابية عمار سيد بزيادة أتاوات  المسافرين على ظهور ابل القوافل مع مايسطو عليه من كل غالى ، ويزيد الدخل  مع اتجاره فى الخشخاش والاقراص المخدرة والكحوليات .

يحتل عمار  سيد ابن عين القابلة  هو  وزوجاته الثلاث اللاتى لم تنجبن له وليدا ظهر وبطن هوادج الاربعة جمال مقدمة قافلة سطوه التى تسير عادة على البعد بالتوازى مع القافلة التى سيتم السطو عليها ، ويسيطر على ظهور الجمال الاربعة التالية  ابنه حنكى التتكتاكى  وزوجاته من بنات ليل الحلب  الرحل  ممن بقين على ذمته ، ويتم استقبال الزبائن من المسافرين وبضائعهم على ظهور  الباقى من جمال قافلة سطو ابن عين القابلة امير السطو على ظهور ابل قوافل التجارة بلامنازع .

 ذاع صيت حنكى التتكتاكى  وملأت شهرته آفاق الصحراوات الثلاث الكبرى والوسطى والصغرى حتى خطف قلب نظله  اخت موره  قاطع طريق قوافل اعلى جنوب الصحراوات  فجن جنون الاخير وقرر الانتقام من امير السطو على ظهور ابل القوافل بعد ابيه عمار سيد ولد عين ، ومع اقتراب قافلة سطو ابن عين انطلق موره ورجاله بخيولهم الى قافلة السطو ، وصوب موره خنجره الى قلب التتكتاكى  ليتصدى له فى اللحظة الاخيرة ابن عين القابلة عمار سيد ويفدى ابنه فيستقر الخنجر فى صدره ، وتثور ثورة التتكتاكى  فيستل سيفه ويبارز قاتل ابيه فيخبره موره وهو يبارز متفاديا الطعنات القوية القاتله .. يخبره بحقيقة مقتل ابيه الحقيقى سمير ريشه بيد ابن عين الذى تبناه بعد ذلك فلم يعره التتكتاكى انتباها حتى يثـأر لقتل ابيه الذى تبناه ونسبه اليه ، ومازال موره ورجاله يحاصرون التتكتاكى  لينالوا منه ويستردوا نظله المخطوفة فيتمكن التتكتاكى  من قتلهم جميعا ويظل مع نظله آخر زوجاته التى أبقاها على ذمته لتلد له عامر الصغير الذى اسماه على اسم والده بالتبنى والذى بكاه كثيرا .  


قصه قصيره ل :

محمود حسن فرغلى

عضو اتحاد الكتاب

عضو نقابة المهن السينمائيه

mahmoudhassanfarghaly@gmail.com 


======================================================================


 عوالم الغجر


106

البغال


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



البغال


تقلب سومه بنت دوسه فى البغال التى أمامها حتى يستقر رأيها على العدد الذى ستستبقيه فى الخدمة وتستبعد المتهالك غير القادر على العمل ليأخذ طريقه الى الاعدام رميا ببارود السمّاوى المتخصص فى اصطياد الكلاب المسعورة الضالة .

يتصدر شباب البغال الفتية القائمة أمام مدخل اصطبل سومه الغجريه  بنت دوسه الشهير فينشرح صدرها لتخصص الاقوى والاكثر تماسكا لشد عجلات  طحيمر البلكاوى صاحب واحة النعم بالصحراء الوسطى  وولى نعمة العاملين بها ، وعجلات  زوجته وبناته الخمس اللاتى أوشكن على الزواج .

يقع اختيار سومه على أفضل ستة بغال لشد عجلات  طحيمر وستة آخرين احتياطيا لهم فاذا مانال التعب من الاوائل حلّوا مكانهم حتى يستعيدوا قواهم فيعودوا الى العمل .. تنظر سومه باشفاق الى البغل الثالث عشر الذى يحمل تبعة شؤم الرقم وترتعد فرائصه ، ولايقوى على الوقوف فتقف سومه على قلبها وتخطو عليه بعيدا عن دموع البغل العجوز وتعطى الاشارة الى السمّاوى الذى يقود البغل الى الخارج فى الارض الفضاء خلف الاصطبل وتسمع بعد دقائق صوت الطلق النارى يخترق قلب العجوز .

تقف بنت دوسه حائرة أمام تسع وتسعين بغل تود أن تستبعد منهم تسعا واربعين وتستبقى الخمسين لتوزعهم على عيون القبائل  ممن يؤجر البغال من اصطبلها .. سيأخذ راعى الواحة  أربعة بغال أساسى واربعة احتياطى لشد عجلاته  ، وسيأخذ مسؤول المياه  أربعة وأربعة ، وشيخ مخفر الواحة  ثلاثة وثلاثة ، ولكل من شيخ مشايخ تل الغجر ومعاونه اثنان واثنان .

تنطلق بين كل دقيقة ودقيقة طلقة من بارودة  السمّاوى لتصيب العجائز من البغال فى قلوبها فتشعر سومه بنت دوسه بانتعاشة وراحة بال للتخلص من أعباء أكل هذه البغال غير المفيدة .

تواصل سومه توزيع الاثنين والعشرين بغلا المتبقية على كبار القوم ،  وتطلق الخيول على اناث الحمير فتتزاوج لتنجب  بعد ذلك بغالا تحل محل البغال غير القادرة على العمل مع عدم تزاوجها فالبغال لاتنجب .


قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com





=====================================================


الأربعاء، 16 مارس 2022

 عوالم الغجر


105

البركه


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



البركه


تتفجر العيون فى قلوب الدروب .. يتجرد الصغار من ملابسهم كى يسبحون للعبور من الجانب الأيمن الى الأيسر بعرض ثلاثة أمتار وعمق المتر ونصف .

يحمل كل صغير ملابسه بيده اليسرى ويرفعها فى الهواء ، ويضرب وجه الماء باليمنى والقدمين فيندفع الى الأمام كل حسب قوته .

يعود صغار الكتاتيب يحملون حافظاتهم الملونة القماش الممتلئة بالكتب والكراريس لتزدحم بالملابس الداخلية والخارجية والأحذية ، يبعدونها عن سطح الماء ويواصلون السباحة حتى يصل كل منهم الى السلالم  الحصوية المرملة التى لايغطيها الماء فيتعلقون بالظاهر منها حتى يصعدون الى وجه الارض التى هجرها كل السكان  الى المخيمات أأعلى تل غجر حنكوره  حتى تبتلع عيون الدروب ماءها .

تلزم النساء وبنات البنوت المخيمات لعدم المامهن بفن السباحة يفكرن كثيرا فى استخدام الطوافات المصنوعة من جلود الابل لتعينهم على التنقل من والى الأسواق حتى لايمل الرجال من صراعهم الدائم فى مسابقة السباحة لأربع أوخمس مرات يوميا ذهابا وأيابا من العمل واختراقا للأسواق تلبية للطلبات .

أسرع الشيوخ الى خيم المسنين واعتزلوا الابناء والاحفاد الذين انقطع بهم الاتصال لتخلل المياه كل شرايين وأوردة المناطق وعجزت القوارب الصغيرة عن قطع المسافة الكبيرة بين المنطقة وخيم المسنين .

تداخلت مياه الشرب ومياه البقايا ليشرب السكان الماء الجارى ، وجلس هواة الصيد يلتقطون أسماكهم الصغيره .

مرّ شيخان كبيران عابرا سبيل بالدرب الطويل فانزلقت أقدامهما الى وسط البركة لتبتلعهما واحدة من الحفر التى لم يسدها عمال الحفر ,

لم تفلح محاولات ابناء واحة حنكوره  فى انتشال جثتى الشيخ عويس الزغباوى الماوردى وزوجته زاهيه  عوين، وابتلعت حفرة ثانية من بين الحفر الست كمال ونبويه ابنى شحاته غزال القهوجى .

كلّف ابناء الشيخ عويس محامى ليرفع قضية لأبيهم وأخرى لأمهم ضد الجهات المعنيه ، وانضم اليهم شحات مطالبا بالتعويض عن صغيريه .

بلغ اجمالى القضايا المرفوعه ضد الدوائر المعنية أربعا وعشرين قضيه فشكلّت الدوائر هيئة للدفاع وخصصت خمسة من المحامين للرد على الخصوم فى كل قضية حتى تمكن المائة والعشرون محاميا من كسب القضايا وطالبوا ابناء الشيخ عويس وشحات بأتعاب المحامين أو الحكم بالحبس فى حالة عدم القدرة على السداد .

بحثت أقدام شحات وابناء الشيخ عويس عن الحفر الأربع الأخرى وانزلقوا فى قلبها لتغطيهم المياه المتدفقة من عين مياه الشرب ومجرى مياه الفضلات ، وطمست كل معالمهم مياه البركه .


قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com

=======================================================


 عوالم الغجر

104

آل السوس


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



آل السوس


يتجمع مئات الالاف من المترددين على مجمع آل السوس لتلقى المعونات النقديه اوالعينيه.. يدعون لجابر السوس بدوام الصحة والعافيه والخير الوفير له ولاهله الغر الكرام الميامين كما يقول قدامى سائليهم ، ويقول الحاقدون : ان جابر السوس ترقى من راعى غجرى  اجير لدى عيون القبائل  الى كبيرهم، ويروون روايات ثراءه السريع المختلفه.

تقول رواية: ان جابر وهو يرعى غنم الحى التى كانت تأكل من اعشاب ارض عليان الرحيمى وجد ببطنها  كنزا من الذهب الخالص فباعه واشترى مائتى ناقة  وكانت نواة ثرائه السريع اذ حمل قافلة نوقه قمحا كثيرا من بلاد الانهار الغزيرة  وخزن القمح فى الصوامع  لينال منه السوس  ، ومع ذلك باعه للمشترين والمدشات  والمطاحن القريبة والبعيدة  وعرف منذ ذلك الوقت بجابر السوس، ونسى اهالى الحى اسم ابيه الحقيقى وشجرة نسبه المتواضع.

زاد الخير لدى جابر فأغدق بالعطاءعلى سائليه حتى عرف بالصالح الكريم.

تقول الرواية الثانية لبعض الحاقدين : ان جابر زرع الخشخاش فى ارض المرعى ومع اول قطفة للأفيون ملأ صفائح الماء بالذهب وبدأ يشترى الاحياء من ورثة الشيوخ المختلف عليها بتراب الفلوس . 

 ، وهناك رواية ثالثة تقول : ان جابر باع بعض اعضاء جسده الداخليه حتى تمكن من سداد ديونه والصرف على اهله ، وكانت قيمة اعضائه الداخليه غالية الثمن مما مكنه من شراء اول مزرعة خيول  وواصل بعدها الشراء حتى صارت المائه مزرعه  .. استقر رأيه بعد ذلك على بناء  مجمع خيرى  على حدود الحضر المجاور للمساكين يضم مستوصفا يتسع لالف سرير مكنته من استخراج الاعضاء من داخل الاجساد واغلاقها بالليزر  ، وقد مكنه ذلك  من فتح بنك للكلى ووبنك للقلب وبنك للعيون  وبنك للكبد، ويسجل كل بنك من البنوك قرابة الملياركل شهر فيخصص للغلابة نصف مليار من اجمالى العشرة مليارات ليزداد اقبال السائلين على مجمع آل السوس ,

علا نجم جابر السوس فى أوساط الاثرياء حتى نصبوه كبيرا لهم فعمم لديهم انشاء المجمعات الخيريه كى يذوب حقد  الحاقدين الذين زادوا فى الايام الاخيره .

صاهر جابر السوس الكثير من القبائل فتزوج اربع زوجات تنتمين الى اكبر اربع قبائل فى البرارى وزوج كل ابن من ابنائه الخمسة لاربعة من اجمل فتيات احيائهم   فأمسك بزمام الاربعة والعشرين قبيله ليصبح زعيمهم .

وشى الحاقدون بين جاد ولد عليان الرحيمى وبين جابر السوس واقنعوه بان جابر اشترى حيهم  بتراب الفلوس واصبح اكبر الاثرياء من خيرهم فاستشاط غضب جاد ، وقرر ان يستعيد حى آبائه واجداده من بين ايدى جابر السوس واولاده فقوبل بالرفض  وقرر الانتقام منه وأعانه على ذلك زهير مزين الحى الذى جلب له كل قطاع طريق التل  الشرقى  كى يشفى غليله هو الآخر من ضياع حى ابيه والذى اشتراه جابر برخص التراب لرعب حمص المزين  ابوزهير من بطش جابر السوس وبعدها فارق الحياة .

قبض قطاع الطرق اجرهم من زهير وجاد فاشعلوا النيران فى مجمع احياء جابر ومزارع خيله  ومجمع خيره ، ولم يتمكن واحد من اصهاره على التصدى  لقطاع طريق التل الشرقى  وطويت بذلك آخر صفحة لجابر السوس ومجمعه الخيرى وآله ونسبه حتى سائليه لسنين طويله .   



 قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@gmail.com

====================================================================================================================================


عوالم الغجر


103

استغاثة من الجراد


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات


استغاثة من الجراد 

كتب صغار تل صبريه الغجريه استغاثاتهم على سعب النخيل وربطوه بأقدام الحمام الزاجل وارسلوه الى كل بقاع الارض . أغلق الآباء والأمهات ابواب وشرفات الخيام مخافة دخول أسراب الجراد المجنونه لتقتل صغارهم .

 أظلمت سماء واحة الصحراء الصغرى   بعد أن غطتها الملايين من الجراد الأصفر الكبير والأحمر الصغير فحالت دون وصول أشعة الشمس الى الأرض 

خلت دروب الصحراوات   من المارة وتم اغلاق خيم البيع  فلابيع ولاشراء ولاذ التجار بالفرار الى خيمهم  , كما أغلق الحضر  كل المؤسسات والمستشفيات عدا دور العبادة التى فتحت أبوابها للفقراء المساكين وابناء السبيل ومن لايملك محلا للاقامة حتى يرحل الجراد 

أصر الجراد على البقاء فى سماء الواحة الخضراء بالصحراء الصغرى  واحتل الدروب   وأسطح الخيام .

 بلغ رعب الصغار مداه مع رؤية الجراد يحاول أن يخترق الحواجز ليصل اليهم .. أسرع الأباء الى التصدى لجحافل الجراد وواصلوا اطلاق رسائل الصغار التى يحملها الزاجل فى اقدامه ليوصلها الى كل ارجاء المعمورة  . 

انخفضت درجة الحرارة الى ماتحت الصفر بكثير نتيجة التقاء موجات الصقيع المنطلقة من المحيطين المتجمدين الشمالى والجنوبى , ومازال الصغار يضعون أطراف أصابعهم على سعب النخيل ليحمل الحمام  استغاثتهم وثبت المنظر العام 

مر على المنطقة المتجمدة عشرون عاما , ومع انفصال الموجات الباردة الغريبة بدأت الحياة تدب فى أوصال الواحة  وتم ارسال استغاثات الصغار الى كل مكان فى العالم عبر الزاجل  

تم تحديد مكان الاستغاثة فجاءت النجدة من الأقطار المجاورة ليرحل الجراد متوهما مجىء موجة من الصقيع الذى يمقته .. عاد أهل الحى  الى حياتهم الطبيعية بعد مرور عشرين عاما وكان العالم قد انتقل الى عصر جديد.

 

قصة قصيرة ل / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com

========================================================


 عوالم الغجر


102

اختفاء


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات


اختفاء


تختفى الصورة تدريجيا عن أعين المشاهدين لتحل محلها الصورة التالية .. يبقى فى الذاكرة لحظات الميلاد المتعسرة وآهات الأم الدائمة خلال التسعة أشهر الماضية .. تنسج العيون ملامح الصورة الجديدة لطفل تفصل الحكيمة عنه حبله المتصل بالمشيمة فتتساقط من جسده أول قطرات الدم لتسرع الى ايقاف النزيف برباطها المعقم ، وتلقى بالمشيمة فى سلة المهملات .. تسارع الجدة الى احتضانها قبل أن تلتصق بالقاع البلاستيكى .

تختفى الصورة لتتابع الجدة رحلتها تجاه النبع القديم حاملة صومعة غذاء حفيدها الوحيد الذى أسمته منذ قليل عطية الله وحمدت ربها .

يمسك طبيب وحدة الحضر  الصحية الوليد من قدميه ويرفعهما الى أعلى ويضربه على المقعده فيتدفق الدماء الى الدماغ ليعلو صراخ ابن زايناهم بنت محلاهم بائعة الليمون بتل غجر غنيه. .

تزيح صورة الجدة الصورة السابقة حتى تصل الى شاطىء النبع  وتجلس على حجر لتفك العقدتين المحكمتين اللتين ربطتهما لتمنع تسرب الماء على رأسها . 

تدخل الحكيمة المولود عطية الله فى الجلباب الصغير الذى صنعته زايناهم وهى جالسة الى جوار أمها أمام جوال الليمون وسط سوق الحى  طوال النهار .

ترجو الجده محلاهم النبع  القديم أن يرد لها الحفيد كلما جاء يعانقه ليزيل عرقه ويطفىء نيران جسده المشتعل من شدة الحر حين يفيض النبع  بالخير الكثير وتقول : يانبعنا  العزيز هذا غذاءنا اللذيذ .. سد جوعك واحفظ وعودك ولاتغرق عطية الله ولد زايناهم بنتى .. يقبل النبع  الرجاء ويداعب قدمى العجوز بأمواجه الهادئه ويبتسم .

تقرب الحكيمة عطية الله من ثدى أمه حتى لايضيع لبن السرسوب الذى يبنى العظام فتفتح زايناهم عيناها فرحة بالوليد وتزيد من احتضانه حتى يشعر بدفىء امه فيحرك شفتاه وتروح زايناهم فى النوم ليتبعها الوليد .

تغسل الجدة وجهها بماء النبع  وتحمد ربها على سلامة ابنتها الوحيدة التى جاءها المخاض وهى جالسة الى جوارها فى السوق ، ولم توفق وديده الدايه فى توليدها وأوصت محلاهم بنقل ابنتها الى وحدة الحضر  الصحية .. اسرع أولاد الحلال الى الأم وابنتها واحضر عبد اللطيف البنى ناقته العشر وساعده الرجال فى حمل زايناهم ومحلاهم على ظهر هودج الناقة  ليصل بسرعة الى الوحدة الصحية فى دقائق حتى لاتضيع بنت محلاهم الوحيدة.

ألقت الجدة بالمشيمة الى جوف النبع وودعته لتسرع بالعودة الى الحفيد والابنة بأكلة تشبع النفسه .. تفتح زايناهم عينيها فلاتجد رضيعها .. تصاب الأم الصغيرة بالذعر وتسأل الطبيب والحكيمه والفلاحين والفلاحات فلاتلقى الاجابة .. تمسك زايناهم بجلباب الصغير وتبلله بالدموع حتى تأتى محلاهم فتعيد السؤال ولامن مجيب .

أدارت الأم وابنتها مناديا ينادى على أولاد الحلال ويصف لهم أوصاف الغالى عطية الله الرضيع الذى فقد فى حى الواحة  التى أصيب كل نسائها بالعقم بعد رحيل الوباء الذى يزور القرية كل عشرين عاما ، ولم يصب بنت محلاهم التى لم تتمكن من تحديد والد المولود فى وسط الزحام . 

قالت محلاهم لابنتها : انت صغيره وسترزقين بغيره تتسندى عليه فى عجزك ماتزعليش .

تختفى الصورة تدريجيا عن أعين المشاهدين ، وتظلم القاعه.

 .

قصة قصيرة ل / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com





 عوالم الغجر


101


ابوقردان



من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



أبو قردان


تنطلق أسراب أبوقردان تحلق فى الفضاء اللانهائى تبحث عن بقايا اللون الأخضر الذى رحل مع اندلاع نيران سوتيته بنت حارس نور القرداتى .

تدقق عيون السرب الصغير .. تفتش عن الديدان من أعلى فلاتجد الا اللون الأصفر فى الصحراء الكبرى الممتده بطول آلاف الكيلومترات تحيط بألسنة النيران التى مازالت تلامس أجواء الفضاء العالى منذ خمسة أيام مضت .

تصيدت عيون السرب الكبير بعضا من نبات الصبار المتناثرة فى بطن الصحراء الواسعة بالقرب من خيام غجر رحيمه  فأصدر قائد السرب اشارة بالهبوط ليتبعه سائر أفراد السرب ويتوالى هبوط بقية أسراب أبوقردان .

تتحلق طيور أبو قردان حول الأزرع الخضراء المتشحة بالأصفر ووجوه الشوك الذى يضن بقطرات مائه لتخلو السماء من سحابة صغيرة فى المنطقة الكبيره .

تمتد آلاف المناقير الطويله تنقب فى الدوائر المحيطة بالصبار .. يوفق شباب أبوقردان فى العثور على عشرين دودة بطول ألف من السرب فيقدمونها للصغار وكبار السن قبل أن يلفظون أنفاسهم الأخيرة .

تستعيد الأسراب قدرتها على الطيران بعد أن جاءت على نهاية الوليمة مضافا اليها نباتات الصبار فيرحل اللون الأخضر المصفر الى العدم .

تواصل أسراب أبوقردان رحلة البحث عن اشجار جديدة سكنا لها بدلا من المشتعلة بسبب سوتيته بنت حارس نور القرداتى التى أشعلت نيرانها ليشيع الدفىء حتى لايموت حارس نور القرداتى وقرده ميمون من شدة برد طوبه الذى حول الماء الى جليد وتسبب فى وفاة مائتين من كبار السن وثلاثمائة من الأطفال الرضع حتى امتلأت مقابر تل شويخ فأخذ الاهل فى بناء مقابر جديده لتستقبل سكانها القادمين .

تشكل الأسراب دوائر كبيرة حتى تقل سرعة طيران كبار السن والصغار فيتحولون الى مربعات ومستطيلات ومثلثات تتلاشى مع عودتهم الى نقطة البداية فوق ألسنة النيران التى أكلت أعشاش ابوقردان فوق أشجارها العالية وماتحتها .

تزيد أجساد الصغار والشيوخ من السرب المتساقطة طول أيدى النيران الممتدة فتتسع بطن النار لتلتهم التل  وعشرة تلال مجاوره .. يبعد الناجون من السرب الكبير عن النيران ويحط الجميع حول الرماد الذى خلفه  الحريق ليستخرجوا غذائهم وتهطل دموعهم على فقدانهم لآلاف الأصدقاء من الفلاحين الذين كانوا يعملون معهم فى تنظيف الأرض لاعادة زراعتها .. شبعت الأسراب ونامت فى مكانها حتى طلوع الفجر لتوقظهم أصوات خوار البقر ومأمأة الماعز والخراف فملأت الفرحة عيون ابوقردان مع عودة بعض الناجين من الفلاحين فى صحبة ماشيتهم ليعيدوا الحياة الى أرض تل شويح الذى تسبب فى حريقها الكبير القرد ميمون والذى لامسته نيران كانون سوتيته بنت حارس نور القرداتى فقفز لتشتعل النيران بظهره لينقلها الى كل منازل التل والتلال المجاورة .

قبلت أسراب أبوقردان المتبقى من الفلاحين على قيد الحياة الذين أخذوا ينقلون الماء من آبار التل الى المصارف  المؤدية الى أرض الحريق لتخمد حتى تتمكن الأسراب من اعادة بناء أعشاشها على الأشجار الجرداء المحترقة حين تخضّر.

 


قصة قصيرة ل / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com



==================================================


 عوالم الغجر


100

صوان لحمه



من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات




صوان لحمه


يشد عمال الفراشه قطع الخياميه بين الاعمدة الخشبيه المثبتة بطول خمسمائة مترا على جانب الدرب الطويل بواحة عنتيلو، وتتدلى الخطاطيف الحديديه بين كل متر وآخر لتحمل الكباش المذبوحة والتى تبلغ المائتين والخمسين على كل جانب تقدمها الست صدقيه الرايق كأضحية للعيد الكبير فى كل عام .

يتم تعليق مكبرات الصوت  الموصولة ببطاريات الطاقة تحمل صوت المطرب الشعبى يكرر : ياحاسدين الناس .. تنكسر سهام الحاسدين مع موجات الهواء قبل ان تصل الى الاضاحى  .. ينتظر الفقراء داخل الصوان الذى تقيمه الست صدقيه أمام خيمتها الكبيرة، ويطول الانتظار حتى يخرج صغار الجزارين غارقين فى دم الذبائح يحمل كل واحد منهم كبشا ليعلقه فى خطافه الذى سيقف بجانبه حتى يفرغ من تسليمه لآخر لفه لمن تحدده الست صدقيه ومازال المطرب الشعبى يكرر نفس المقطع من الاغنية ، والذى تم تسجيله مكررا أكثر من مائة  مرة حتى لاتصيب سهام الحاسدين الطائشة صدقيه أوأضحياتها أوواحدة من فتياتها المقربات .

يواصل عمال الفراشة تثبيت اللوحات الفوتوغرافيه بالبللور الشفاف الخاصة بالست صدقيه وهى فى صحبة الصفوة من سادة مجتمع الحواضر القريبة والبعيدة   لتشارك فى افتتاح العديد من المشروعات الخيريه ، وبين كل لوحة ولوحة توجد لوحة بيضاء تحمل أصوات الجماهير التى تعلو بالهتاف لحياة الست صدقيه فى ظل أغنية المطرب الشعبى ياحاسدين الناس .

يشتد لمعان بدل فتيات الست صدقيه المطرزة بالترتر المتناثر على وجوههن البراقة  مع  خروجهن من الخيمة الكبيرة يحملن المباخر التى تعمى عيون الحاسدين فيغطى الدخان سماء الدرب حتى لايرى المارة مواضع أقدامهم لتخرج الست صدقيه ترتدى فستانا فضفاضا أبيضا فى أبيض ويعلو رأسها غطاء حريرى تم استيراده من الشام مساء أمس لتبدو صدقيه عروسا فى ليلة زفافها .. يغطى الصفاء وجهها بدون أصباغها القديمة والتى تذكرها دائما بغجر تل ريحانه محل ميلادها .. تقلب صدقيه بين أصابعها الناعمة حبات عقد من الاحجار الكريمة على صدرها المنخفض باللون الازرق لتطفىء نيران الحسد المنطلقة من عيون حسادها وتواصل طقوسها التى حرصت عليها منذ تقاعدت وقررت البعد عن الاضواء التى أدمت عينيها .. يكرر الحاسدون : اللهم لااعتراض ولامانع .. يعدون مئات الخيام التى تفتحها الست صدقيه اللولبيه للعاملين معها فى الفرقة قبل قرار الاعتزال وآلاف الفقراء الذين يدأبون على المرور عليها فى أول كل شهر ليتلقوا اعاناتهم ، ويمصمصون الشفاه ولاينظرون الى مقدار المشقة التى أبعدت صدقيه عن فنها الذى تعشقه وأصيبت بعد تركه مباشرة بحالة من الاكتئاب استمرت لشهور عدة لم يخرجها منها الاحب الخير للغير .

أغرق لعاب المارة الدرب  الذى يحمل اسم المحسنة  صدقيه الرايق فأسرعت الى توزيع النفحات قبل الطوفان وبدأت بعمال النظافة فأعطت كل واحد لفة تزن خمسة كيلوجرامات وغادروا المكان ليتسابق أهل الحى والاحياء المجاورة فى الحصول على أنصبتهم من لحم الكباش ويتخيرون الاجود ليلقى صغار الجزارين بالبقايا والعظام الى قطعان الكلاب التى تزاحمت تنظر بامتنان وحب شديد للست صدقيه التى لاتترك مناسبة الاوتمد يدها للصغير قبل الكبير فلاينقطع الدعاء لها طوال العام .

تدير صدقيه ظهرها للحاسدين وتمضى فتعوى بطونهم حزنا على مافاتهم من عطاياها وتصيب عيونهم الزرقاء الاعمدة الخشبية بعد خلوها من لحم الكباش فتسقط ليغادروا المكان ومازال صوت المطرب الشعبى يكرر من خلال السماعات الملقاة على الارض : ياحاسدين الناس فى قلب صوان لحمة الست صدقيه الرايق .


قصة قصيرة ل / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


عوالم الغجر


99

زازا كولا



من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



زازا كولا


يلتف أكثر من مائة صغير حول عزاز كرشه الشهير بزازا كولا ليتمكن كل منهم من سحب نفس بقدر مادفع من مال حتى لايعضب زازا كولا فيوسعه ضربا مبرحا ، وكل من ضرب قبل ذلك من زازا  يسحب النفس بحساب متحسسا جسده الذى مازال محتفظا بآثار ضرب زازا فلايزيد وينقص كما يؤكد على ذلك دائما زازا ، ويمضى كل صغير الى الركن المخصص له فى خرابة تل سوينه القديم   ليحل محله امام زازا وافد جديد بعد مروره على مساعدى زازا اللذين يحفظانه قواعد شم الكولا حتى لايقع تحت يدى زازا الذى لايرحم ، وقد أوتى زازا سعة فى الجسم توازى اربعة من الاجساد المتوسطه ، ويداه وقدماه خلقت لتلطم وتركل كل من تسول له نفسه ان يخطىء فى التعامل مع الزجاجه التى بين يديه ، وقد عرف زازا كولا فى اوساط التل ببرنس الشم .

اتخذ زازا اعلى التل القديم   مقرا له ، واتسعت مملكته على مدى العشرين عاما بعد ان قرر الانفصال عن المعلم كيكو المتخصص فى استيراد وتوزيع المخدرات من رخيصها حتى اعلاها سعرا  ، ونظرا لارتفاع سعر الصنف المستورد مؤخرا  بحث زازا عن بديل للاوساط المتدنية من راغبى شد الانفاس .. فطحن لهم الاقراص يقدمها للطبقة الاولى  والكولا للطبقة الثانية وبيوت الخلاء  للطبقة السفلى ، ونصب ابنه سبيرو على المسحوق وابنه سبيرتو على السوائل وابنه الاصغر فلافيلو على بيوت الخلاء  ، ويشرف زازا على ابنائه الثلاثة ورجاله الكثيرين  المنتشرين بين الناظرجية لتأمين المداخل والمخارج ، وحمالين اجساد الزبائن الساقطة بين يدى زازا ، والبلطجية المستخدمين فى تأديب المغيرين من مواقع اخرى ، ومن يتلكأ فى الدفع من تجار التجزئة اوالزبائن الدائمين ليل نهار .

يدير زازا كولا عينيه باتساع المكان الظاهر منه والباطن ليشمله بالرعاية ، وعندما يقرر تصويب وضع من أوضاع الاركان فى المقر  يترك مابين يديه لصبى من صبيانه ، ويهتز جسده الشديد البدانة  متجها نحو الهدف ليهتز التل القديم  بأسره ، ويتوقع كل ابن من ابنائه اوصبى من صبيانه لطمة قوية اوركلة أقوى من سيد الناس زازا كولا.

تهتز الارض أسفل جسد زازا كولا الهائج ..يبتلع الخوف سبيرو تسرع ريهانة الجديان امهم لتتصدر المشهد .. تستعطف زوجها فى الصفح عن اى من ابنائها الثلاثة اذا كان الخطأ من احدهم أو تهدىء من غليان جسد زوجها الغاضب اذا ماكان الخطأ من صبى من صبيانه أورجل من رجاله ، وعموما لن ينجو المخطىء من العقاب الذى سيحدده زازا بنفسه .

يرفع زازا يده فى الهواء ويصفع هريدى حسين اليد اليمنى وكبير الرجالة .. تدمع عيون الاخير ويتدارك خطأه فيتركه زازا ويمضى ، وقبل ان يستقر فى مكانه المخصص له يضاء التل القديم  بأسره بأضواء الكلوبات الساطعة .. يعقبها اطلاق بارود رجال زازا لتواجه ببارود من كل الجهات المحيطة ولايعلم زازا مصدرها حتى الان غير انه يسرع وزوجته وابنائه وصبيانه ورجاله الى المخابىء السرية السراديب التى  تصل الى الجبل الغربى ولم يخطىء زبائنه مكانه متربعا على قمة الجبل بقوة حاسة الشم لديهم.   



قصة قصيره ل : محمود حسن فرغلى

عضو اتحاد الكتاب

عضو نقابة المهن السينمائيه

mahmoudhassanfarghaly@gmail.com 


==============================


 عوالم الغجر


98

رؤوس الثوم



من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات




رؤوس الثوم


يعلو جبل قشر الثوم يوما بعد يوم ولايغرى جامعى القمامه بالاستفادة منه لنقله الى مقالبهم الكبيرة فيتركونه ليزيد ويزيد ويصبح القشر نكدا على أهل الحى كما تقول الجدات القديمات 

فلاتكاد المشاجرات أن تتوقف بين الأزواج والزوجات والابناء والجيران حتى تبدأ .

يزن البائعون الثوم بالسيقان الجافة فتسرع السيدات الى الخلاص من العروش حتى لاتنتفخ الحقائب ويلقين بها الى جانب البائعين ليلملمها الصبيان ويحملونها الى المقلب فى نهاية السوق .

يزحف جبل قش الثوم على السوق فيتراجع التجار الى الخلف للتقليل من حدة النكد الذى قد يأتى مع الرياح المحملة بقشر الثوم ويواصلون بيعهم متوخين الحذر فى التعامل مع الزبائن حتى لاتتحقق نبوءة العجائز .

يعود رمضان عطا مع زميله صيام هريدى كل يوم من مدرسة حضر اجفينه  فى منتصف النهار ويمران فى طريقهما الى خيام غجر التايه  بجبل قشر الثوم ، ويأخذان فى اللهو فيمسك رمضان بربطة قشر الثوم ويضرب رأس صديقه لتنفلت الربطة وتتناثر على الوجه الصغير فتشكل رؤوسا جوفاء كرؤوس الغول أبوعيون حمراء التى حكت له عنها أمه تفيده الغراوى .. يرد ولد هريدى على زميله رمضان ، وحين لايجدان مايبحثان عنه يتوغلان فى قلب الجبل .

يظل الصغيران يتقافزان ويلهوان الى أن ينال التعب منهما فيستريحان ثم يتحرى كل منهما الدقة فى البحث حتى يعانق رؤوس الثوم الصغيرة التى مازالت عالقة فى أكوام القش ليفرح الصغيران .

يسرع كل صغير الى فصل الرؤوس الصغيرة ويضعها فى الحقيبة ويتسابقان حتى تسحب الشمس أشعنها المتكاسلة وراءها مخلفة الظلام فيكتفى الصغيران بحصيلة صيد اليوم  ويتجهان الى نحله الدومى بائع الكبده المستوردة ليبيعان  له رؤوس الثوم الصغيرة فيعطى كلا منهما عشرة دراهم وسندوتشا من الكبده يأكلانه ويعودان الى المنزل وفى حقيبة كل منهما خمسة رؤوس من الثوم الصغير واحدة للأب والأخرى للأم لزوم علاج الدوسنتاريا الحادة والسعال اللذين يعانيان منهما دائما ، ويأخذ هريدى السمسار العشرة دراهم  من ابنه ويتوجه الى غرزة مفيلح الحلبى  كى يلحق بميعاد زبون بعد العشاء حتى يريه الخيمة  التى يحلم بالسكن فيها ، وتجهز فتحيه زوجته الطشة بالثوم للثريد الكاذب  التى تسد بطون أولادها السبعه وتنظف ملابس صيام من قشر الثوم .

يرسل عطيه الخياط ابنه رمضان الى منعم البقال ليشترى له باكو التبغ القص المعسل ،ويرصه على أحجار الجوزه مكوما عليه الفحم المشتعل فيثير عاصفة من الدخان أمام الخيمة  الصغيرة التى أعطاها له عليوه الرخ صاحب العشرة خيام بشرق تل التايه بدون ايجار مقابل عمله كخفير لخيامه العشرة  .. تغرف تفيده طبق الملوخيه للرجل وابنائه الخمس ، وتذكر الست وهيبه حنين بالخير فهى الساكنة فى الخيمة الرابعة التى أعطتها ورك الأرنب صباح اليوم لتطهو عليه حلة الملوخيه ، وتعنف صغيرها رمضان الذى يصر دائما على استحمامه بالقشر الذى يجلب النكد فى رحلته اليوميه بحثا عن رؤوس الثوم

 .

قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


==============================


 عوالم الغجر

97

رمال القطران


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



رمال القطران


تتلون بقعة من بقاع جنوب الصحراء الصغرى بالقطران فلاتعيرها هنيه جدة غجر اصفيص اى اهتمام .. تجلس امام موقدها خلف خيمتها بالرحبة وحولها صغار الحى فى انتظار طاجن ثريد لكل صغير تركته امه منطلقة الى الحضر المجاور بحثا عن الرزق ، كما تركت زوجها نائما فى خيمته سنة اولاد الغجر واذا مااستيقظوا اشعلوا نيران شرب الدخان المغموس فى العسل الاسود ليعودوا الى النوم ثانية حتى رجوع  زوجاتهم من الحضر .

تبرع الجده هنيه فى اصطياد حيوان برى كل يوم يسقط فى واحد من شباكه التى تنصبها مغطاة بحنكة خمسة ثمانين  عام بالرمال والعشب .

يسقط عادة فى شباك الجدة ارنب برى ، ثعلب ، ذئب ، فئران صحارى أوحتى نمر فتسرع الجدة الى ذبحه وسلخه وتسويته يساعدها فى عملها اليومى كل صغار الحى ليتناولوا وجبتهم الرئيسية قبل نومهم وعودة امهاتهم .

ينصرف بعض الصغار الى اللعب بعيدا عن نيران  موقد الجدة حتى تفرغ من تسوية لحم صيد اليوم فتنزلق اقدامهم فى قلب رمال القطران تحمل رائحة وقود كلوبات الخيام فتطفوا على جلابيبهم .. يوشك الصغار على الاختناق .. تسرع الجدة متوكأة على عصاها .. تصب الماء على رؤوس الصغارقبل ان يلفظوا انفاسهم  الاخيرة ، وتعيدهم الى الجلوس حولها بعد ان تنهرهم عن الاقتراب من حافة بقعة رمال القطران والتى قد تبتلعهم  لشدة لزوجتها .

 تزيد الجدة هنيه من اشعال نيران موقدها فيمسك عوف ولد سندس ومهران الرخ عودا من الحطب المشتعل ويلعب مع عباد ولد زين وبهجيه الذى يشهر فى وجهه  بدوره عودا آخر مشتعلا ، ويقتربان اكثر فاكثر من دائرة بقعة رمال القطران ، وحين يسقط من يده عود الحطب المشتعل تضطرم ا النيران فى بقعة رمال القطران لتمتد ألسنتها تحرق الخيام وتشوى الرجال النائمين داخلها .

تتثاقل اقدام الجده هنية .. تنغرس فى الرمال .. يقتلعها الصغار بعيدا عن النيران التى تأكل كل مايقابلها .. يهرولون حتى منحدر الصحراء عند عين الماء الوحيدة بالمنطقة وقد أتت النيران على وجبتهم الرئيسية التى استغرقت عمل يوم كامل للجدة مع الصغار .

تعود نساء الغجر  من رحلتهم اليومية الى الحضر.. تلملمن ماتبقى من خيامهن والرجال المشوية جلودهم .. الصغار والجده هنيه .. يحملن ماتبقى على ظهور الابل .. يبحثن عن حى جديد مخافة ان يبتلعهم القطران المتدفق بغزارة من البقعة الآخذة فى الاتساع كل لحظة حتى صبغ مساحات كبيرة من الصحراء الصغرى فاختفى حى رحيل اصفيص الغجرى لتسمى المنطقة بعده  بواحة رمال القطران.


   قصة قصيرة ل / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@gmail.com


===============================


 عوالم الغجر


96

داتورة  شنيغى

 

من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



داتورة  شنيغى

 

ينبت عشب داتورة شنيغى الغوله فى المنطقة الخالية والتى تزيد عن المائة فدان خلف تل كروم  فيريح لونها عيون كل اهل الصحراء الوسطى   ويروق لعيون الماشية من ابل وخيل وبغال وبقر وجموس وحميرواقبلوا عليه بنهم حتى لم يقبلوا بعد ذلك  على عشب من اعشاب الواحة .

أدمنت الماشية نبات الداتوره وتراخت أوصالها فأصبحت غير قادرة على العمل .

تنظر الماشية الى أصحابها

  .. ترجوها وجبات كثيرة من النبات الجميل

 .. لايفطن الفلاحون الى طلب الماشية .. يزداد طلب الماشية  .. تخور البقار والجاموس ، ويعلو خوارها حتى يصم آذان اهل الواحة 

يزداد صهيل الخيول والبغال ولاتقوى الحمير على اصدار نهيقها .. تغادر المواشى الزرائب بكل ماأوتيت من قوة الى الدروب والدروب المجاورة

 حيث أشجار النبات منزرعة على الجوانب  ، وتظل تأكل وتأكل حتى تشبع فتنام الى جوار النبات لتجده عند اليقظة فلاتجوع ثانية .

سعى اهل الواحة يطلبون ماشيتهم النائمة فلم تجبه

 وظلت على حالتها من حيث الاسترخاء وعدم القدرة على الحركة .أقلع ذكور الخيل والابل والبقر والجاموس والحمير عن مطارحة اناثها الغرام بفقدانهم القدرة على ذلك .

لم تحمل الاناث أجنتها ، وزاد التهامها للنبات الجميل كذكورها حتى أدمنته هى الاخرى .

مر الشهر والشهران على هذه الحال حتى تحولت الماشية الى أشباح ، وتساقطت الواحدة تلو الاخرى . 

أصدرت السلطات المسؤولة قرارا بعدم زراعة النبات الجميل الذى أدى الى اختفاء كل مواشى الفلاحين ، لكن رجال شنيغى الذى جاء ببذور النبات الى الواحة منحوا التقاوى لكبار قطاع الطرق  بالمناطق ممن يعاونوهم وأوصوهم بزراعته فى الخفاء بعيدا عن العيون حتى يجف ليمنحوه لرجالهم حتى تكون لهم السيطرة.


.

 قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@gmail.com

================================


 عوالم الغجر


95

حمارة حندوقه




من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات




حمارة حندوقه


تعرف حمارة حندوقه مكان وقوفها قبل أن تركلها سيدتها بقدميها ويعلو صوتها تأمرها : قفى يازمرده .. تتسع عينا زمرده الصافية وتلتقط الوجوه الجميلة التى تبحث عنها حندوقه الغجريه .. وجه قمرى بلون سنابل القمح الذهبية وجسد ممتلىء حيوية ونضارة فلم يمر على زواج دنديه بنت عبيد البنا سوى عام ونصف ولدت خلالها ابنتها هنومه وطفش زوجها علام الخن لكثرة الديون التى تراكمت عليه من ايجار خيمة  تصليح الكلوبات التى تضىء ليل تل الهيش المظلم ، وايجار الخيمة  الذى تقيم فيه زوجته .

تحمل دنديه هنومه وتسير فى طريق العودة الى خيمة  ابيها فتدس حندوقه فى يدها ريالا من الفضة وتزّين لها طيب الاقامة معها فى صحبة ابنتها بدلا من الاقامة مع عبيد البنا الذى كبر سنه وكسدت مهنته فكل ابناء الحضر  يبنون بيوتهم من الطين بأيديهم فمالت دنديه الى الحياة الرغدة ووضعت ابنتها خلف حندوقه فوق ظهر زمرده .. واصلت زمردة رحلة بحثها عن الوجوه الجميلة التى يسكن اليها محبوا المعلمة القديمة التى عاصرت كما تقول ثورة الابل.

وقعت عينا زمرده على وجه ذهبى بلون الرمال المخضبة بالندى  جميل يعلو جسد ملفوف يخبىء فتنة أسفل جلباب من التيل مزركش بالاحمر والاصفر والاخضر فأسرعت زمردة اليه .. ربتت حندوقه على ظهر زمرده وأخرجت بعضا من العلف مكافأة لزمردة التى تحسن دائما الاختيار .

وقف ركب حندوقه أمام عليّه بنت ابراهيم الحلاّوى بائع الخيزران الذى يستخرجه من النزز بحرى تل الهيش .. لم ترزق عليّه بوليد من طليقها فراج الغندور لمرض أصابه وقالت أمه : ان العيب عيب عليّه ، وستزوج ابنها من ست ستها فكان قرار الطلاق ، وعادت عليّه الى تل الهيش لتصحبها حندوقه الى دارها .

انطلقت زمردة وفوق ظهرها امرأتان ورضيعه ، وخلفها تسير عليّه الحلاوى .. اكتفت حمارة حندوقه بصيد اليوم .. ومع قرب وصول الركب الى خيمة حندوقه أخرجت المعلمة  قالبا من السكر ووضعته أعلى جوال العلف ليكون مكافأة لزمردة تحلّى به بعد تناولها وجبة العشاء فتنام قريرة العين والبال لتواصل فى الغد عملها الدائم فى البحث عن جميلات حندوقه .


قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


=================================


 عوالم الغجر


94

حج موسى تفادى



من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



حج موسى تفادى


اعتاد موسى تفادى ان يحج كل عام الى بلد الله

 الحرام ليغسل ذنوب عامه ويعود كيوم ولدته امه . تبدا رحلة حج موسى تفادى فى صباح العاشر من شوال بعد ان يفرغ من صيام الستة ايام البيض عقب رمضان المبارك ويدعو ربه ان يجعل كل ايامه بيض مع اهله واهالى الحى المجاور حتى سابع حى حى غجر تويبه.

. تبدأ الرحلة من قلب الصحراء  الكبرى بعد صلاة الفجر فيأخذ سيد ابن موسى تفادى فى تجهيز الزاد والزواد الذى  اعدتها امه كى تضمن معيشتهم لايام قد تطول او تقصر ثم يدبر لهم الخالق امرهم . 

يحمل سيد ولد موسى تفادى الزاد والزواده على ظهر الفحل الصبور الذى يشتريه موسى تفادى قبل القيام برحلة كل عام بستة اشهر حتى يتمكن من علفه واختبار قوته وقدرته على التحمل حتى يطمئن قلبه فينطلق على بركة الله فى صحبة ابنه والعراء

 . تودع سوميه الركومى زوجها وابنها وتدعو لهما بالعودة سالمين غانمين

 .. تأخذ القافلة طريقها ، قافلة صغيره مكونة من الفحل الصبور الذى تم تدريبه على حفظ الطريق حتى معبر النبع شرق الصحراء  الكبرى  ورجل جاوز الستين بقليل وابنه فى العشرينيات من العمر .. 

يقود الفحل القافلة ويسير وراءه الرجل

 وابنه حتى تحمل العبارة ثلاثتهم الى البر

 . تختفى الشمس وراء الجبال الصغيره المتناثره بطول الشاطىء الغربى للنبع فيغرس سيد اوتاده وينصب الخيمه التى سينام فى قلبها موسى تفادى اول الليل حتى المنتصف ويجلس سيد على بابها بعد ان اناخ بعيره وقيد قدمه حتى لاتفزعه دابة الارض ..

 فيفر فى الصحراء الواسعة وتأكله الوحوش الضاريه

 .. يشعل سيد النيران امام الخيمة فلاتقترب من ثلاثتهم السباع ، وعند المنتصف يستيقظ موسى تفادى ليأخذ مكانه فى الحراسة حتى تفكر الشمس فى الشروق فيصليان  الصبح وتتواصل الرحلة

. تمر خمس عشرة ليله بايامها على الركب فيوشك الفحل الصبور على الهلاك أسفل الجبل ، وقبل ان يقرر الرحيل يلحقه موسى تفادى فيذبحه ليكون طعامه مع ابنه ووفود الحجيج التى تلتقى عادة فى هذه النقطة كل عام

 ويواصلون السير على الاقدام فتتشقق ،وتمتلىء بالحشرات الضاره وعندما لاتجد دماءا منسابة فى اللحم تعود من حيث أتت بعد ان كاد الجوع والعطش يقتلها

 . تلتقط قوافل الشام المتجهة الى الحج الحجيج السيارة وتركبهم على ابل البضائع فتتعالى تكبيراتهم وشكر رؤساء القوافل

 . يأخذ موسى تفادى وابنه سيد مكانهم بين سقائين زمزم ليرووا عطش المعتمرين ولم يتبق على موسم الحج سوى عشرة ايام بعد قضائه اربعين ليلة فى طريقهم السنوى المعتاد

 . يواصل الرجل عمله ليل نهار مع ابنه فيرزقهم الله رزقا وفيرا يمكنهم من شراء فحلين قويين مهجنين قادرين على توصيلهم الى قلب ديارهم فى الواحة بعد ان يؤديان حجهم ويحملان من هدايا الشام واليمن الكثير للأهل والاحبة فى انتظار رحلة العام القادم.


 . قصة قصيرة 

ل..محمود حسن فرغلى

 عضو اتحاد الكتاب

 عضو نقابة المهن السنمائيه 

mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


==================================


 عوالم الغجر


93

تصادم


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



تصادم


ينظر رجل تقاطع دروب تلال غجر سعدى من أعلى ربوته  الى التقاطع ، وحين تخف الحركة فى اتجاه الشمال للمنطلق من الجنوب يرفع رايته  الحمراء  اعلانا لوقوف الحركة فيهدىء الدليل  من عدو الابل  حتى تتوقف قبل الوصول الى منطقة المترجلين .

يغيّر الرجل اللون الى الراية الصفراء  استعدادا لبدء تحرك قوافل  الشرق المنطلقة الى الغرب والعكس .. تتعلق عيون دليل القوافل  بحامل الاشارات حتى يرفع الراية الخضراء فتندفع الابل  تسابق الريح ولم يتبق فى البعيد للاتجاه المتقاطع سوى سبع قوافل  على بعد ستمائة مترا فتمسك يمين الرجل براياته ويحركها الى أسفل عدا  الاحمر من حامل الاشارات ويرسل نظرة خاطفة الى التقاطع ليستبدله  بالاصفر ثم الاخضر للقوافل  القادمة من الجنوب الى الشمال فتتحرك ويتحرك المترجلون فى الخط الموازى لها .

مازالت قوافل  الشرق تواصل الاندفاع ، لم تتمكن من التوقف فترتعش يدا الرجل الممسك بالاشارات الثلاث  ليغير الى اللون الآخر فتستمر القوافل فى الاندفاع منطلقة فى الاتجاهات الاربعة بدون توقف .

تعانق سبعة من الابل الاقوياء  سبعة اجساد وسط زحام المارة فتتناثر اشلاؤهم وترتطم بقوافل الطريق المتقاطع .. يهتز العمود الذى يحمل كشك رجل الاشارات فترقص يداه ويسقط وسط أخشاب الكشك تاركا اعلامه الملونه  خضراء ليتواصل اندفاع القوافل من كل مكان ، ويتكوّم بعضها فوق بعض تعتلى الاجساد البشرية داخل وخارج الصناديق التى تحملها الابل حتى تصنع سدا منيعا يمنع المزيد من ضحابا تصادم التقاطع .

أسفر التصادم حتى حينه عن مصرع خمسمائة من المارة وثلاثمائة من الابل القوى كانت تسير بسرعة مذهلة ، ومازال رجل الاشارات يحاول أن يلملم عظامه التى تهشمت حتى يتمكن من الصعود ليصل الى اعلامه الملونه ليغيّر من اللون الأخضر الدامى الى الأحمر الذى سيؤدى الى وقف تفجر ينابيع الدماء التى تصب فى أوردة التقاطع بسبب التصادم .



قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com




==================================


 عوالم الغجر


92

بنات ليل



من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



بنات ليل


تنطلق ام عابس فى الثلث الاول من كل ليله صوب الغرز المنتشره فى كل الدروب المحيطه .. تجلس لتسامر المخمورين بمقابل زهيد .

يعجب سعدان زيد  أداء ام عابس فيقرر ترقيتها من جليسه الى موزع للصنف الذى ورث تجارته عن ابيه وجده وجد جده .. تطير ام عابس فرحا من قرار ملك الصنف  الدائم الرعاية لها ولابنائها وقريبا ستنال رضاه فى ليلة ما لم يحددها سعدان  بعد ،وسيزيد لها الاجر المقابل .

رأى سعدان  ام عابس وهى تنظف خيمتهم وأمامها وخلفها والمنطقة المحيطة بها من كل النواحى  منذ عشر سنوات  فطار عقله من تناسق قوامها وقرر ضمها الى جيش نسائه العاملات  فى غرزه الكثيره والمنتشره فى كل مكان، فانفتح باب السعد لام عابس  الصغير وروحيه التى تكبره بقليل ،وجعل ملك الصنف  زوجها مخيمر يدمن الصنف حتى زهد فى زوجته ورمى عليها يمين الطلاق للمرة الثالثه فاصبحت المرأة حرة الا من أوامر سعدان  الذى حاز اللقب بعد ابيه وجده لحماية نساء غرزهم من أى غاصب حتى قطاع طريق  الجبل الغربى المجاور للصحراء  الوسطى  ، ولااحد من المخمورين يمكنه التجاوز للحدود التى يرسمها لهم سعدان  فى التعامل مع نساء غرزه .

برعت صوفيه فى عملها الجديد واستحدثت اشكالا جديده فى التوزيع مما ادى الى طفرة فى نسبة التوزيع فقربها الملك  الى قلبه أكثر وأكثر  .

كانت صوفيه تلصق فرش الحشيش اسفل ابطها الايمن ، وبجواره فرش آخر ، ثم تلصق الفرش الثالث اسفل ابطها الايسر وبجواره الفرش الرابع ، اما الخامس والسادس فيستقرا اسفل صدرها ، وتقضى الليلة متنقلة بين الغرز تعطى الحصص لأصحابها ، وقد حار رجال نقاط التفتيش للمكافحة من ضبطها متلبسه لدرجه انها دخلت مرة  مخفر تل  الصيريفى الذى لايشق له غبار فى القبض على المتعاطين والتجار وهى تحمل بين صدرها فرشى حشيش  وأخرجها سعدان  ضامنا بعد ان اعتذر للزبون التى ادمت وجهه ولم ينتبه الصيرفى الى كمية الصنف التى تحمله ، وفى نفس الليله قرر الملك  ان يقرب صوفيا الغجريه  اليه اكثر وأكثر وأكثر  فاشترطت عليه ان يكون حلالا، وكان فكتب لها الوثيقة العرفيه حتى لاتعرف زوجته سعيده  خبر زواجه فيفقد بذلك اهم مصدر من مصادر تمويله للصنف اذا ماعرف ابوها البرنس احد الكبار الذين يجلبون الصنف الى المنطقة بما حدث لابنته .

تطلق صوفيا البخور بكثافة مع كل حضور لسعدان  فيستمتع الرجل بالطقس ، ثم دأبت بعد ذلك على خلط البخور بزيت الصنف حتى أدمنه ملك الصنف  فبدأت صوفيا فى اولى خطوات السيطرة على مملكة غرز الليل التابعه لسعدان 

خارت قوى الرجل  بعد شهور قليله  فاحتلت مكانه وحولت زواجها الى شرعى وطلقت منه سعيده  بنت البرنس وفى حوزتها ثلاثة من اولاد ملك الصنف  .

اصبحت صوفيه الغجرية  بعد ذلك ملكة ليل غرز سعدان ، ولم تتغير حتى اشعار آخر

 .


 قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@gmail.com


=================================


 عوالم الغجر


91

انبوبة غزل البنات


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات


أنبوبة غزل البنات


يدير عنتر ولد فرحانه شليب يد ماكينة غزل البنات ويغنى : غزل البنات سكر نبات قربوا يااولاد وقولولى هات .. يتجمع صغار الحى حول الماكينة ليذوب فى أفواههم الغزل فيقولوا هات .

تضع جليله كبرى بنات عنتر غزل البنات فى الأكياس الصغيرة وتربطها بالخيط الرفيع وتلقى بها فى الصندوق لتلتقطها يد جميله بنت عنتر الثانية وتعطى كل صغير كيسه فيعلو صوت حمديه بنت حنفى الخولى أم البنات بصوتها الأضخم تردد : غزل البنات سكر نبات قربوا بااولاد وقولولى هات .. يقول الصغار هات .

تعطى فردوس بنت حمديه الثالثة أنفاسا قويه بالكباس النحاسى لوابور الجاز المشتعل أسفل ماكينة الغزل ليديرها عنتر فتلبى طلبات الصغار .

تسأل فريال البنت الرابعة لعنتر عن مصير أنبوبة غاز البوتاجاز الصغيرة الحجم  المسروقة والتى ستريحهم من دخان وابور الجاز المشتعل أمام مدخل الخيمة التى يسكنونها . .

يجيب عنتر بحسره : مافيش فايده .. كان عنتر يقتطع جزءا صغيرا  من دخل الأسرة كل شهر لتدخل به حمديه الجمعيه مع أم سيد الدلاله ونساء الحى لتقبضها فى آخر شهر من الجمعية . .

ظل عنتر يدفع سهم الجمعية طوال خمس وثمانين شهرا متصله بامتداد سبعة أعوام وشهر ليتمكن من شراء انبوبة  غاز البوتاجاز صغيرة الحجم  التى ستريحهن من السعال الذى يسببه لهم عادم الكيروسين الذى يطلقه الوابور بغزاره .

عاش عنتر ولد فرحانه شليب وزوجته حمديه وبناته الخمس عاما من السعادة المتصلة ليقطعها ذكى ذهنى سليمان الغجرى  لص الأنابيب فى ليلة ممطرة حين أسرعت الأسرة الى نقل ماكينة الغزل الى الخيمة  ، وحين خرج عنتر ليأتى بالأنبوبة كان ذكى أسرع منه فى حملها .

حررت الأسرة محضرا للسرقة  بالمخفر وضرب فهيمه صغرى بنات عنتر حين منعت ذكى من حمل الأنبوبه .. ترك ذكى خيمة  أسرته بالحى وهرب الى تل الضراغمه لدى خاله عطا الرومانى حداد التل .. تم القبض على ذهنى سليمان والد ذكى وأخلى سبيله فى المخفر ، وعلا صوت ذكى يردد: غزل البنات سكر نبات قربوا يااولاد وقولولى هات .. يقول الصغار فى التل :  هات .

يبدأ عنتر ولد فرحانه شليب فى اقتطاع أول جزء من الدخل  فى أول شهر لتشترك حمديه بنت حنفى الخولى فى الجمعية التى ستجمعها أم سيد الدلاله ونساء الحى لتقبضها النمرة الأخيرة بعد ثمانى سنوات وشهر لتتمكن الأسرة من شراء انبوبة غزل بنات جديده

 .

قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


عوالم الغجر

90

ام جيدو



من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



ام جيدو


يطول بى السهر حتى آذان فجر كل يوم .. اقطع المسافات ذهابا وايابا احفظ الالفية : كلامنا لفظ مفيد كاستقم ، واسم وفعل ثم حرف الكلم ، والمقرر من الشعرلزهير والعبسى وعمرو ابن كلثوم وغيرهم حتى ينال التعب منى فاستلقى على سريرى الجريدى  بعدما اطفىء المصباح تاركا باب مقدمة الخيمة مع باب المؤخرة   لبصنعا  تيارا هوائيا يهدىء من غليان جسدى لانفعالى بالاشعار.

يتسرب الى مسامعى آهات امرأة تئن وتئن .. تعودت ان اسمع هذه الآهات للمرأة قبيل فجر الخميس الاول من كل شهر ، ربما يبلغ بها الالم مداه فى هذا التوقيت بعد شهر عمل شاق فى شقق والفيلل الجديده بالحضر الملاصق لواحة الصحراء   الكبرى  فتقوى على اعالة اربع بنات وولد بعد زواج عيد الحرنفش زوجها من اخرى جاء بها من جماعة غجر الصحراء  الصغرى  كما جاء بها منذ خمسة عشرة عاما ، والقاها فى قلب الحضر تعمل كطاهية ومنظفة .

لم يختلف الامر كثيرا مع رقية الزوجة الجديدة الى جانب عمله كبائع للاعشاب  ..فأسكن رقية فى خيمة جديده الى جوار خيمة ام جيدو بجانب  ام حامد التى تعيش وحيدة بعد زواج ابنها الاكبر حامد وبنتها تهانى ليأتى ابنها الثالث ناجى فى اجازاته من عمله فى المناطق النائية اول خميس من كل شهر يقضى مع امه الخميس والجمعة ويعود الى عمله البعيد صباح السبت فيقضى شهر عمله ويعود ليلتقط انفاسه ويرم عظامه كما تقول امه: من اكلاتها التى تساعدها فيها دائما ام جيدو حتى يستعيد ناجى قوته وقدرته العمل .. تكفلت ام حامد بأبنائها الثلاثة بعد رحيل حميد الرايق الموظف الاميرى باحدى مؤسسات الحضر، وكان معاشه قادرا على تلبية مصاريف ابنائه فلم يعوزها حيا اوميتا .

يأخذ عيد الحرنفش يوميا جزءا من دخل زهيرة الالفطاوى ام جيدو ، وجزءا من دخل زوجته الجديدة رقيه حتى يتمكن من تغطية احتياجاته اليومية من المعسل والافيون .

أواصل حفظ الاشعار المقررة على من المذهبات المعلقة ، واعود الى ابن مالك احفظ منظومته : بالجر والتنوين والندا وال ومسند للاسم تمييز حصل.

بتا فعلت واتت ويا اقبلى .. ونون اقبلن فعل ينجلى .. سواهما الحرف كهل ولم وفى .. فعل مضارع يلى لم كيشم .

أشم رائحة مسك فواح ، ومازالت المرأة تئن من الالم الذى يعتصر جسدها فعملها طوال اليوم كشغالة فى منازل الحضر  شاق للغاية .

أطفىء المصباح ثانية .. أعترض الهواء المنطلق من بابى الخيمة الامامى والخلفى ، وألقى بجسدى على السرير الجريدى  فى قلب ظلام الليل فلايتبين احد من الجيران مكانى حتى ام جيدو المواجهة خيمتها لخيمتى.. تخرج ام مجيدو من خيمة  ام حامد متجردة من الثياب بعد ان تطمئن عيونها على ظلام  الليل الذى لف خيام  الجيران واختفت انوار المصابيح فيلحق بها ناجى ابن ام حامد ينظم انفاسه المتلاحقة وتكمل ام مجيدو الكلام توجهه الى حامد بان لا يخاف فالكل نيام .

لاأقوى على حبس سعالى الذى يخرج رغم أنفى .. ينظر الاثنان الى مصدر العطس  فيجدانى مستلقى على السرير مفتوح العينين انظر اليهما وقد شخص بصرى فى قلب الظلام فلاتخجل ام جيدو وتعد ناجى باللقاء فى الشهر القادم ليسقط الرجل من الخجل فيسرع داخلا الى خيمة  امه ، وتعود ام جيدو الى خيمتها  غير عابئة بوجودى .

أعود الى وقوفى بعد ان اشعل المصباح مرة أخيرة  أواصل حفظ الاشعار المقرر على امتحانها شفاهة فى الغد.

  

 قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@gmail.com


==============================


 عوالم الغجر


89

المسامير


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات


المسامير


ينغرس المسمار الاول فى يد حسان عبد الله العبد فيسرع عبد الدايم العطار الى انتزاعه وأغلاق مكانه ببعض بقايايا البن المستقر فى قاع الكوب  الذى شربه منذ قليل ، ويتركه ليواصل استخراج المسامير القديمة من ألواح الخشب ليعيد تركيبها قبل صب خلطة المونه .

ينغرس المسمار الثانى فى اليد اليسرى فيسهل تعامل حسان معه ويتمكن من استخراجه كاتما آهاته حتى لايزعج عبد الدايم الوحيد من زملاء الجامعة الذى تمكن من ايجاد فرصة عمل له بعد فترة طويلة من البطالة دامت أكثر من ست سنوات بعدما انفق عبد الله العبد وزوجته عطيات الاشمورى آخر درهم فى حوزتهم لتعليم ابنهما الوحيد حسان فى الجامعة ليكون أول خريجى الجامعة والوحيد فى الجهة القبلية لغجر تليله  بتل حويجه غير انهم لم ينعموا برؤية حسد ابناء الغجر  لهم على الوليد خريج الجامعة لوفاتهم مبكرا اسفل خيمتهم القديمة وقبل اعلان نتيجة البكالوريوس بشهر واحد .. قرر حسان أن لايعود الى التل وجماعته من الغجر  ثانية بعدما فقد أعزّ ماله فيها ولن يبكى على الخيمة القديمة المؤجرة  من عبّيس المزين  فلن يتمكن من دفع ايجارها  لضيق ذات اليد .

داعب مسمار ثالث يد حسان اليمنى فخدشها ولم ينغرس فتابع عمله .. طلب حسان من رحمانى ابن قناوى الشيخ ابن شيخ مشايخ قبائل تل حويجه أن يبقى عليه فى الغرفة الصغيرة أسفل السلم المظلم وكان أبواه يقتطعان أجر الغرفة من اجرهم الذى يتقاضيانه من عملهم فى رعى اغنام ورعاية النخيل  التى يمتلكها قناوى الشيخ ، ومنذ وفاة والديه قبل تخرجه وهو يقوم على خدمة ابناء شيخ البلد مقابل الزاد والاقامة فى الغرفة المظلمة .

يتسلل مسمار عنيد الى اليد اليسرى فينزعه حسان باليمنى فيزيد سريان الدماء على الارض .. كان حسان العبد دائم البحث عن عمل يخرج به من رتابة خدمة ابناء الشيخ .. ساعده الكثير من زملائه فى البحث حتى وفق عبد الدايم العطار فى توفير فرصة عمل نادرة كصبى نجار مسلح يساعده بعدما أتقن هو هذه المهنة لسنوات أربع ماضية وأقلع عن التفكير فى وظيفة أخرى غيرها لمناسبة الدخل .

جاء محرز البنا رئيس العمال يخبر عبد الدايم العطار بأن صديقه زيادة عن العدد المقرر للمقاولة ولن يستطيع صرف أجر الصبى له حتى لعدم خبرته .. عاد حسان ليمر على زملائه واحدا واحدا عسى ان يوفق فى العثور على فرصة أخرى بعيدا عن عناد وأذى المسامير التى فجرّت نهر دمائه الهارب منذ زمن ، وبعد ساعات أربع من البحث رجع الى حجرته يضمد جراحه وينهى أعمال اولاد قناوى الشيخ المنزلية ليغمض عينيه على أمل العثور على فرصة أخرى لاتدمى يداه فيها المسامير .


قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


===============================


 عوالم الغجر


88

الكركى


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



الكركى


يداعب الجليد وجه طائر الكركى المزركش بالاحمر فيرقص فى قفزاته العالية ويدقدق بقدميه الطويلتين مرفرفا بجناحيه الناصعة البياض ، وحين يلملمهما يأتى بسواد الليل فيعود ساكنا الى مكانه ويتصدر واجهة الفندق المسمى باسمه فيستمتع برؤيته كل رواد مدن الجبال السبعه بالمنطقة الغربية من الصحراء الكبرى  .

تشرب الخمرية اللون حتى الثمالة وتقول : خمسة طرق تؤدى الى القلب حيث أقيم والكركى .. تتوحد الفتاة والطائر حين تجلس فى المقدمة ويظل خلفها ساكنا برقبته الطويلة وريشه الأملس المتدلى يساقط كرات الجليد الصغيرة حتى تصل الى الأرض فتنفجر متناثرة على وجوه الجالسين حول العيون المتثائبه .

جاءت كريمه رعيان من جنوب الصحراء الوسيعة الملونة بالموت الاصفر عند التقاء المحيط بالبحر الملح ، وخلعت رداءها القديم لكنها مازالت تعشق الجنوب أول الطرق المؤدية الى قلبها .

رفعت كريمه الكأس ليلامس شفتيها ، واستيقظت عيناها عندما سمعت بمقدمى من قلب جنوب أعلى الصحراء الصغرى  ، وقالت : لقد خبرت كل أجناس العالم ولم يرق لى سوى جنوبى قلب أعلى الصحراء الصغرى  .. أطالت الفتاة النظر الى وجهى الذى تاهت فيه معالم الجنوب فصرفت عيناها عنى لينطفىء نور المقدمة وتتلون الوجوه بالاسود الثقيل الظل حين يفقد صغار نجومه فتتوه الوجوه ولايتعرف أحدنا على الآخر .

جاءت الأنوار المصنوعة ضئيلة من الخلف ترسم خيالاللكركى وكريمه رعيان التى راحت تعب شراب شمال الشمال ثانى الطرق المؤدية الى قلبها فهو القادر على الانتقال بها الى عالمها الجميل حين تفقد ملامح الخيام الشعر ووجوه الأب والأم والأخوة المحاصرة ، وتنطلق ترسم منزلا صغيرا مع أحد الجالسين حولها أمام الكركى .

جاءت كريمه فى صحبة بنات كثيره من أقصى الجنوب يبغين المعرفة فى معاهد حواضر  الجبال السبعة التى عنيت بالشرق ثالث الطرق المحببة الى قلب الفتاة والذى تمله أحيانا لتتطلع الى الجهة المقابلة رابع الطرق التى يهفو القلب اليها ليزيد انطلاقها وانقطاع أوصال الماضى السحيق الذى يجثم على صدرها .. تتنفس الجميلة بعمق شديد مع انتهاء الكأس العاشره .

تبدأ كريمه فى شرب الكأس التالية وتنظر الى أعلى حيث ينظر الطائر ويتساقط المتحلقون حولهما واحدا واحدا ليعودوا الى غرفهم الحاملة أرقامهم بالفندق ، وتظل كريمه رعيان متوحدة والكركى يطيران الى الأعلى آخر معشوقة خمرية اللون فيرتحلان عبر الزمان والمكان وتصبح الجميلة ذكرى لكل نزلاء الفندق مع عودة الكركى كل عام يداعب كرات الجليد بوجهه ، ويرفرف بجناحيه الناصعة البياض ليصل الى آذاننا صوت كر .. كر .. كريمه .. كر .. كر .. كركى.

 .

قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


==============================


 عوالم الغجر


87

القافلة السوداء


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



القافلة السوداء


يستيقظ الرجل المعصوب العينين فلايرى الا الظلام المحيط به من كل جانب .. يحاول الوقوف فى مكانه فيصطدم بالاجساد المتخبط بعضها فى بعض .. يخترق الكتل البشرية المتلاحمة حتى يواجه الجدران الخشبية .. يضع يديه يتحسس أبعادها فتلسعه نيران أشعة الشمس المختزنة داخل الصندوق الخشبى الكبير المكبطن بالصاج المثقوب لدخول وخروج الهواء  فيتراجع الى الخلف ليدفعه الاخرون فيلتصق ثانية بالجدار الذى يشوى وجهه .. يتقهقر دافعا بقوته المتبقية الاجساد خلفه .. يتأوه الجميع ولاينطق احدهم بكلمة حتى يتبين المكان والزمان والحدث .

المكان . .  صندوق اسود كبير لم يتمكن واحد من المعصوبى العيون تحديد طوله أوعرضه أوحتى عمقه بسبب الزحام الشديد .. تبدأ حركة الصندوق .. شك .. شك .. شك .. يخرج من نقطته الاولى  .. تشك .. تشك .. يقف فى ملتقى الصحراء الكبرى بالوسطى الذى يتعرف عليه معصوبوا العيون من خلال آذانهم التى تاهت وسط طوفان الاصوات البشرية المتزاحمة ، وتداخل اصوات الابل التى تشد الصناديق مع سائر قطعان الانعام التى لاتصمت .

الزمان. .  طول الزمان .. تشك .. تشك .. تشك ..

 تبدأ  الرحلة  ..تصطدم الاطارات ببعض الحجارة المنغرسة فى الرمال الناعمه  لتتحرك الصناديق الخشبية المبطنة بالصاج  الى الامام والاجساد الى الخلف فى قلبه من شدة الانطلاق .. يعود الرجل الأول من المعصوبى العيون الى اغماءته  ليطفو الى ذاكرته سبب سقوطه فى بطن الصندوق الاسود عاشق الترحال الى الجنوب .

الحدث : .. تمرد الرجل الاول على حاله من حيث السكون الى الحركة ، وحذرته الزوجة من العواقب الوخيمة لهذه الفعلة الشنعاء لكنه لم يستمع وجاوز الحدود المرسومة له  فأخذ أول خطوة من خطوات الحركة الى اللاشىء فقرر مسؤولوا السكون نفيه الى واحتهم البعيدة التى لايسمح فيها باصدار أى صوت من أصوات الكائنات الحية .

تشك .. تشك ..تشك ..  يواصل الصندوق انطلاقته تجاه الجنوب فيستيقظ الرجل الأول ليتعرف على الرجل الثانى  الملتصق كتفه بكتفه ويوقفه على سر وجوده الى جواره فى هذا المكان فيرى نفس سبب وجوده فى العصابة السوداء المحكمة الرباط فوق عينيه .

يرتطم  الصندوق  الاسود بعارضة حديدية ضخمه مغروسة فى قلب الرمال تحذر من المفرقعات المدفونه فى بطون الرمال  فتقشعر أبدان معصوبى العيون وتهتز من شدة الارتطام فيتوقفون عن رسم غابة ثرثرتهم التى ملأت أرجاء المكان ، ويسود الصمت حتى يتم تعديل مسار الصناديق التى تجرها الابل المنهكة ..تستعيد أصوات المعصوبى العيون تماسكها فيواصلوا حفلة تعارفهم وتعلو الاصوات لتمتزج بالصوت الاعلى .. تشك .. تشك .. تشك ..

  تمر الساعات فينال الارهاق من الألسنة التى تعود الى السكون  ..  تسير الصناديق السوداء الف كيلوا حتى تتوقف لتفتح أبوابها  فى منتصف الليل  فيتم نقل المعصوبى العيون الى صناديق العربات  المحكمة الاغلاق والمدهونة باللون الاسود من الداخل حتى لايشعر معصوبوا العيون بالاغتراب اثناء نقلهم الى واحة المسؤولين الصماء البعيدة .

ترك .. ترك .. ترك ..  يتجه القطار بصناديقه الكثيرة الى الشمال ليأتى بنزلاء الواحة الجدد ، ويواصل رحلاته  الدائمة .


قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com

==========================


 عوالم الغجر


87

القافلة السوداء


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



القافلة السوداء


يستيقظ الرجل المعصوب العينين فلايرى الا الظلام المحيط به من كل جانب .. يحاول الوقوف فى مكانه فيصطدم بالاجساد المتخبط بعضها فى بعض .. يخترق الكتل البشرية المتلاحمة حتى يواجه الجدران الخشبية .. يضع يديه يتحسس أبعادها فتلسعه نيران أشعة الشمس المختزنة داخل الصندوق الخشبى الكبير المكبطن بالصاج المثقوب لدخول وخروج الهواء  فيتراجع الى الخلف ليدفعه الاخرون فيلتصق ثانية بالجدار الذى يشوى وجهه .. يتقهقر دافعا بقوته المتبقية الاجساد خلفه .. يتأوه الجميع ولاينطق احدهم بكلمة حتى يتبين المكان والزمان والحدث .

المكان . .  صندوق اسود كبير لم يتمكن واحد من المعصوبى العيون تحديد طوله أوعرضه أوحتى عمقه بسبب الزحام الشديد .. تبدأ حركة الصندوق .. شك .. شك .. شك .. يخرج من نقطته الاولى  .. تشك .. تشك .. يقف فى ملتقى الصحراء الكبرى بالوسطى الذى يتعرف عليه معصوبوا العيون من خلال آذانهم التى تاهت وسط طوفان الاصوات البشرية المتزاحمة ، وتداخل اصوات الابل التى تشد الصناديق مع سائر قطعان الانعام التى لاتصمت .

الزمان. .  طول الزمان .. تشك .. تشك .. تشك ..

 تبدأ  الرحلة  ..تصطدم الاطارات ببعض الحجارة المنغرسة فى الرمال الناعمه  لتتحرك الصناديق الخشبية المبطنة بالصاج  الى الامام والاجساد الى الخلف فى قلبه من شدة الانطلاق .. يعود الرجل الأول من المعصوبى العيون الى اغماءته  ليطفو الى ذاكرته سبب سقوطه فى بطن الصندوق الاسود عاشق الترحال الى الجنوب .

الحدث : .. تمرد الرجل الاول على حاله من حيث السكون الى الحركة ، وحذرته الزوجة من العواقب الوخيمة لهذه الفعلة الشنعاء لكنه لم يستمع وجاوز الحدود المرسومة له  فأخذ أول خطوة من خطوات الحركة الى اللاشىء فقرر مسؤولوا السكون نفيه الى واحتهم البعيدة التى لايسمح فيها باصدار أى صوت من أصوات الكائنات الحية .

تشك .. تشك ..تشك ..  يواصل الصندوق انطلاقته تجاه الجنوب فيستيقظ الرجل الأول ليتعرف على الرجل الثانى  الملتصق كتفه بكتفه ويوقفه على سر وجوده الى جواره فى هذا المكان فيرى نفس سبب وجوده فى العصابة السوداء المحكمة الرباط فوق عينيه .

يرتطم  الصندوق  الاسود بعارضة حديدية ضخمه مغروسة فى قلب الرمال تحذر من المفرقعات المدفونه فى بطون الرمال  فتقشعر أبدان معصوبى العيون وتهتز من شدة الارتطام فيتوقفون عن رسم غابة ثرثرتهم التى ملأت أرجاء المكان ، ويسود الصمت حتى يتم تعديل مسار الصناديق التى تجرها الابل المنهكة ..تستعيد أصوات المعصوبى العيون تماسكها فيواصلوا حفلة تعارفهم وتعلو الاصوات لتمتزج بالصوت الاعلى .. تشك .. تشك .. تشك ..

  تمر الساعات فينال الارهاق من الألسنة التى تعود الى السكون  ..  تسير الصناديق السوداء الف كيلوا حتى تتوقف لتفتح أبوابها  فى منتصف الليل  فيتم نقل المعصوبى العيون الى صناديق العربات  المحكمة الاغلاق والمدهونة باللون الاسود من الداخل حتى لايشعر معصوبوا العيون بالاغتراب اثناء نقلهم الى واحة المسؤولين الصماء البعيدة .

ترك .. ترك .. ترك ..  يتجه القطار بصناديقه الكثيرة الى الشمال ليأتى بنزلاء الواحة الجدد ، ويواصل رحلاته  الدائمة .


قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com

==========================


عوالم الغجر


86

الغوايش


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



الغوايش


تصنع سوداويه الغجرية بنت عمران بكيرى جبلا من رغوة صابون الغسيل محدود القيمة .. تمرر ماتبقى من جسد الصابونة على الخمس غوايش الاولى فى معصم يدها اليمنى ، ثم تحاول الامساك بفتافيت الصابونة بيدها لتمررها على الخمس غوايش الثانية فى معصم يدها اليسرى .

تغمس سوداويه يديها الاثنين فى القعاديه الفخار الكبيره  التى تحمل جبل الفقاعات الكروية التى ماتلبث أن تنفجر حتى تمتلىء وتنفجر ، وتنتظر فترة طويلة من الزمن حتى يتخلل الماء الدافىء مسام الغوايش فتتسع ليسهل خلعها من يدى سوداويه التى راحت للامتلاء الوراثى عن الام والجدة من فرط حبهم الشديد للخبز والمعجنات .

تحاول سوداويه أن تفرغ من خلع الغوايش النحاسية القديمة التى تلّونت بالصدأ الاخضر الجنزارى لطول عمرها فلقد أهداها لها عناينى البخ زوجها منذ أربعين عاما كشبكة للزواج الذى أسفر عن مولد ولد متزوج من عشرين عاما وبنت لم تتزوج لبدانتها وعدم قدرتها على الحركة .

تحاول سوداوية نزع أول غويشة من اليد اليمنى فلاتتمكن وتخشى على ابنتها التى لم تفلح فى تعليمها شيئا من أمور الحياة  .. توجه سوداويه ارشاداتها الى حنه ابنتها عن بعد وتواصل محاولاتها فى نزع الغويشة الاولى .. تبوء كل المحاولات بالفشل فتنتقل الى اليد اليسرى لتحاول مع الاولى من الخمس غوايش نصف العشرة التى اشتراها عناينى البخ من حر ماله على مدى عشر سنوات كان يقتطع جزءا من أجر عمله كجساس بهائم فى زريبة الشيخ هنوسه معلى شيخ مشايخ تلال الكرايميه  وحتى تتمكن سوداويه  بنت غجر الكرايميه من العزف بهن فى وجه غوايش السيدة هنيه لطوخى زوجة سيد القبائل المصنوعة من الفضة الخالصة . 

تقلع سوداويه عن الاكل طوال اليوم حتى تقل نسبة انتفاخ يديها لتتمكن من نزع هذه النحاسيات التى أدمت معصميها .. يجرى ريق سوداويه على المعجنات  التى نجحت ابنتها حنه  ولأول مرة فى طهيها لكنها تصرف  النظر وتتحول الى جبل الفقاعات الصابونية حتى تتخلص من الالام المبرحة التى تلازمها ليل نهار بسبب شبكتها النحاسية القديمة .

استدعت سوداويه ابنتها حنه  لتعينها على مصيبتها التى أشعلت صراخها فامتد ت السنتها الى آذان كل الجيران الذين تجمعوا حولها وجاءوا بعمرون  صميده الحداد الذى تمكن بعد عشر ساعات من انتزاع آخر غويشة من غوايش سوداويه شبكتها النحاسية القديمة الملونة بالصدأ الاخضر الجنزارى .


قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


=============================================================


 عوالم الغجر


85

الصخره الصغيره


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



الصخرة الصغيرة

 

تتآكل قاعدة الصخرة الصغيرة التى تستقر أعلى قمة الجبل الكبير .. تتبادل معاول الحجارين القطع فى آخر كل ليل لتزيد من منطقة التآكل ، وحتى لاتراهم عيون الشيوخ  التى تجرّم قطع أحجار جبل الخير 

تتسلل أشعة شمس اليوم الخامس والستين بعد الثلاثمائة من السنة الميلادية لتعلن ختام هذه السنة فى التقويم ، ومازال غريب غرباوى ينقب مع رجاله أسفل الجبل ليستخرج المعادن الثمينة ,, حمّل الرجل المتفجرات على مائة من الأبل ، وأعطى الحمالين أجرا مضاعفا حتى لايشى به أحدهم الى دوائر الامن  ويتم القبض عليه فيبعد عن حلمه فى العثور على كنوز الملك الحكيم التى دفنت أسفل هذا الجبل منذ آلاف السنين كما تقول مصادره المؤكدة من مخطوطات جده التى عثر عليها وهو ينقب عن الذهب أسفل جبل الخير 

قال له جده الغريب القادم من بلاد الشمال البعيد : ان جبل الخير جبل مبارك مرّ عليه الكثير من أولياء الله الصالحين ذهابا وأيابا ، واقامة فى كثير من الأحيان فى بعض الكهوف للعبادة بعيدا عن بطش البشر كما تقول المخطوطات ويؤكد القدامى من سكان المناطق المحيطة بالجبل ، ولذلك ارتبط اسمه بالخبر 

أنزل الحمالون حمولة ابلهم ، والتقطها عمال غريب غرباوى وفتحوا الصناديق ليستخرجوا أصابع المتفجرات  الطويلة ، وأسرعوا يزرعونها فى كل مكان تصل اليه أيديهم طبقا للخريطة .. ربط العمال الأسلاك ووصلوها بالمصادر التى تشعبت كثيرا وتوحدت حتى صارت واحدة أمسك بها غريب ، وحدد لرجاله ساعة الصفر وقت رحيل المحتفلين برأس السنة على امتداد المسطحات الخضراء المدرجة التى تملأ الجبل فى صباح أول يوم من العام الجديد 

غادر غريب المكان عائدا الى خيمته  بعد اطمئنانه على قرب موعد وصوله الى الكنوز التى ستجعله يحكم هذا الكون .. واصل العمال الانسحاب الى مخابئهم ليفسحوا الطرقات للقادمين من أهل المناطق المجاورة 

ألقت الشمس بثقلها على جبل الخير وكادت أن تلامس قممه .. انطلقت الوفود من المحتفلين الى الجبل تفرد الخيام  للاقامة ليلة رأس السنة ، ويجهزون الالعاب النارية التى ستحمل ابتهاجهم  وتعبر عن سعادتهم بقدوم العام الجديد 

رحلت شمس اليوم الأخير من السنة فخرج رجال غريب من مخابئهم واختلطوا بالمحتفلين .. انطلقت الالعاب النارية تملأ السماء فتشيع البهجة فى القلوب .. أمسك واحد من عمال غريب بلعبة نارية وأطلقها فأصابت سلك التيار الموصل الى المتفجرات المنزرعة  حول الصخرة الصغيرة فاشتعل مفجرا اول عبوة لتسقط الصخرة ويتبعها صخوركثيره تتمكن من دفن كل المحتفلين مع رجال غريب غرباوى الذى ابتهج كثيرا لتقديم ساعة الصفر كى يحقق حلمه الذى ظل يراوده منذ نعومة أظافره فى حكايات جده بعد سقوط الصخرة الصغيرة من جبل الخير.

 

قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


============================================================


 عوالم الغجر


84

الشغيله


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



الشغّيله


تقول المرأة : ان ظفر قدم المهندز بألف من الشغّيلة ، وايش جاب لجاب وهى العين تعلى على الحاجب ؟

تتعلق آذان نساء الشغيلة بصوت كايداهم ابو زيدات الغجرية  بنت الشغيله ، وتحلم كل امرأة أن تنجب ولدا يتخرج فى المهند سخانه حتى يصبح مثل الباشا مهندس التنقيب عن المعادن النفيسه والذى باشارة من يده اليمنى يخرج مافى باطن الرمال والجبال، وحين يلّوح بيده اليسرى يصاب البر الغربى بالصحراء الكبرى بالجفاف ويتضور العاملون معه من الشغيلة جوعا. .

تتخير كايداهم أقوى النساء وتضع لهن جدولا لخدمة خيمة الباشمهندس  طوال الأسبوع فعشرة منهن ينظفن داخل الخيمة الوسيع بداية من قاعة استقبال الضيوف التى تحيطها عشرة مداخل  موزعة على الجانبين  وانتهاءا بخلف وامام الحيمة وجوانبها .. يبدأ التنظيف عقب خروج الباشمهندس من باب خيمته  صباح كل يوم فى صحبة ابنه الوحيد رامى ليوصله السائق الى مدرسة الحضر المتاخم للبادية..

توجه كايداهم زينهم كبيرة الخدم بالخيمة  عشرة أخريات من النساء فى صحبة رضاوى عويسه ساعى مكتب الباشمهندس ليوزعهن  على خيام شيخ مشايخ قبائل عميرنه  ومساعده وعيون القوم .

يتوجه  رضاوى عويسه   فى ساعات الصباح الاولى لجمع الراتب اليومى من الخضار والفاكهة والطيور التى ستذبح لتقدم على مائدة الغداء والعشاء فى خيمة  سيد باشا طماى مهندس التنقيب مصطحبا عشرة نساء اخريات تحملن الراتب على رؤوسهن.    

يعود رضاوى قبل أذان صلاة الظهر فتضع كل امرأة ماعلى رأسها من خير لتسلمه الى كبيرة الخدم التى تقلب فيه النظر لتستبعد الردىء وتدخل السليم الى المطبخ .. يتجمع الثلاثون أمرأة فى المطبخ الكبير يغسلن ويقطعن ويذبحن ويسوين اللحوم .. تتجول كايداهم بين نساء الشغيله فيعلو صراخها لتأتى بأسرار هانم عزيز  زوجة الباشمهندس التى تهدىء من روعها وخوفها الشديد من الباشا اذا لم تحسن النساء عملهن وينتهين منه قبل أن يعود والا فستفقد  الغجريه كايداهم وظيفتها. 

تعطى أسرار هانم لكل امرأة حسنتها بعضا من الخبز وقليلا من الخضار فتعلو أصواتهن بالدعاء لها ويغادرن الخيمة  لتستقبلهن بناتهن اللاتى يحملن عنهن الوجبات التى ستقيم أودهن وأود أخواتهن وآبائهن الذين يعودون من مصلحة التنقيب  مع غروب كل شمس ، وتحلم كل فتاة بفارسها الذى يشبه الباشا مهندز التنقيب  الذى سيغدق خيرا كثيرا على أهلها الشغيله من غجر عميرنه. .

تسرع كايداهم لتلحق بالنساء لتؤكد عليهن ابلاغ جاراتهن ممن عليهن الدور فى الغد لخدمة خيمة  الباشمهندس  وخيام عيون القبائل وتكرر جملها المشهوره ليقلعن عن الحلم : ان ظفر قدم المهندز بألف من الشغيله ، وايش جاب لجاب ... تترك النساء والفتيات كايداهم تواصل وصاياها ويرجعن الى خيامهن  ليقابلهن الزحام الشديد والصراخ والعويل طلبا للنجدة من الغرق فى السيول التى اجتاحت التلال بدون سابق  انذار ..

تبوء  كل محاولات الرجال بالفشل ويتدفق الماء الغاضب ليزيل كل خيام الشغيله التى تحتضن نساءها ورجالها وشيوخها فلاينجو من الغرق أحد .

تبدأ كايداهم كبيرة خدم خيمة الباشمهندس  فى رحلة البحث عن شغيلة جدد ونساء وبنات بنوت يحلمن بسيدهن الباشا ليغدق الخير الكثير على أهلها من الشغيله

 .

قصة قصيرة ل: / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


===================================


 عوالم الغجر


83

الشحم اللذيذ


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



الشحم اللذيذ


تتدلى الالسنة المحمرة الطويلة حتى توشك ان تلامس الارض من شدة العطش والجوع .. ينتظر الحراس موعد الغذاء بعد ثلاثة أيام من التجويع التام .. تقترب اشعة الشمس المتسلله والمستقرة على الحائط الكبير من الانحسار فتتعلق العيون بها ، وحين تختفى يفتح الحراس الابواب  فتنطلق الكلاب المدربة كالمسعورة تفتش فى السراديب الملتوية عن الطعام والشراب .

تنهى الكلاب عملية بحثها الشاق بعد خمسة عشر دقيقة عبر عشرين كيلومترا من السراديب التى يؤدى كل منها الى الآخر فى دوائر لامتناهيه توهم الداخل بقرب نهايتها البعيدة ولاتأتى الابحاسة الشم القوية لدى الكلاب المدربة .

تتزاحم الكلاب حول دائرة اللحوم المستوية المطلية بالشحم  ثم تشيح بوجوهها وتتراجع حتى توشك على الانصراف فيمزق الجوع جدران امعائهم ليعاودوا شم الشحم ويلعقونه حتى يكشف عن اللحم اللذيذ الذى يعشقونه .

ينفض جمع الاقوياء بعد الشبع ليحل محلهم الاقل قوة حتى يشبع الجميع ، ومازالت الالسنة الحمراء الطويلة تتدلى فتلامس الارض من شدة العطش .. تهتز الآذان المدربة بمجرد سماعها تساقط نقط الماء فى الحوض فتسرى الدماء فى عروقهم ويستعيدوا قواهم ويبدأون رحلة البحث فى سراديب التيه الملتوية لمدة نصف الساعة حتى يهتدى واحد من المائة الى المكان فيظل ينبح حتى يدل الآخرين الذين يسارعون الى مكانه .

يرتشف الكلب الاخير آخر نقطة ماء بالحوض ويركن الجميع الى الجدران الرطبة ليناموا ويستيقظون قبل منتصف الليل بساعتين فلايجدوا الاكل أو الشرب ، ويمر اليوم الاول والثانى حتى يقترب موعد انحسار اشعة الشمس قبل مغيب  شمس اليوم الثالث فتسرى الهمهمات فى السماعات المنتشرة بطول السراديب فتتنبه الاجساد النائمة ، تلاشى الاشعة تنطلق الكلاب الى الشحم اللذيذ الذى أدمنته وتطيل لعقه ليكشف عن اللحم المشوى أوالمسلوق والذى لم يعد يغريها ثم ترتوى بالماء الصافى .

تمر الايام الثلاثة التالية ليأتى الرابع فيفاجىء الكلاب أجساد البشر المدهونة بالشحم اللذيذ فيستغربون المشهد ولايقتربون الامع سياط الحراس التى تلهب اجسادهم ليتعاملوا مع المارقين وقطاع الطريق نزلاء النفق الغربى  بالصحراء الكبرى .. تنطلق صرخات النزلاء هلعا من لعق الالسنة الحمراء الطويلة للشحم الذى يغطى كل جزء من اجزاء الجسم  العارى .. تتشمم الكلاب اللحوم غير المستوية فتبعد عنها وتكتفى بالشحم اللذيذ والماء الصافى .

ينتظم الحراس فى فتح السماعات ودق جرس انحسار اشعة الشمس  كل يوم فتنطلق صرخات النزلاء وتستمتع الكلاب بالشحم اللذيذ ، وذات يوم لم تكتفى الكلاب بالشحم وأطلقت أنيابها لتنهش أجساد النزلاء ليرحل معظمهم بالسكتة القلبية قبل التمزيق ورحل  الباقى بالتمزيق .

اصيبت الكلاب بالتخمة ولم تستطع التقاط أنفاسها فماتت بعد خمسة أيام ، وأقلع المارقون وقطاع الطريق عن الاقامة بالنفق الغربى لبعدهم عن الاسباب التى تؤدى الى الشحم اللذيذ الذى ستدمنه الاجيال الجديدة من الكلاب المدربة .


قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


==============================================================


 عوالم الغجر


82

السقاء


من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات



السقاء


يعوض الله .. يعوض الله .. يعلو صوت عوض السقاء لينبه النساء بدروب غجر تل البليلى فى قلوب خيمهن  فترفعن ابواب الخيام  وتتصدر  من عليها الدور فى ملىء الاوانى  الفخار  المقدمة . 

يأمر عوض فحله  بالجلوس على ركبه الاربع فينصاع لأمره .

 يزيح السقاء أربطة القرب العشرين المحمولة على جانبى ظهر الجمل ، ويتناول احداها ليرفعها على كتفه ويتجه  الى أول خيمة.

ترفع صاحبة الخيمة غطاء الاناء  فيضع عوض فوهة القربة فى قلبه حتى يفرغ قربته الاولى ليأتى بالثانية والثالثة حتى يمتلىء  فيحين دور الخيمة التى تلى.   

يعد عوض يوميات خيام  قبلى الحى التى تقترب من الخمسين خيمة  لاولاد الحلب الغجر فيتم المائتى قربه ماء  مربوط اليوم بعد ان يفرغ من ملىء آنية الشيوخ  وعادة ماتعلو حصة مائهم الى ثلاثة أضعاف اولاد الحلب الغجر فيحمل عوض ثلاثة من القرب واحدة على ظهره واثنتان على كتفيه فيصبح اجمالى اليوميه لخيمة شيخ الحى  اثنى عشر قربه وكذلك خيمة مساعد  شيخ الحى وشيخ المخفر والاعيان من اصحاب الصحراء الخالية  والخفراء.. يبلغ عدد قرب الصفوة مائة وثمانين قربه ، وما ان ينتهى عوض من وردية الصباح التى تبدأ مع فجر كل يوم وتنتهى مع آذان الظهر يلتقط انفاسه ويلجأ الى الظل ليريح فحله ابوسريع ويضع له الطعام حتى تبدأ بعد ظهر كل يوم وردية الغذاء لدى السقاء التى تنتهى مع غروب الشمس فيسقط من الاعياء مع فحله الذى يتناول وجبة الغذاء ويواصل عمله فى وردية المساء التى تنتهى بعد عشاء كل يوم .

يتوجه عوض الى بئر الماء الوحيد  العذب فى حى تل حلب العكريه الغجر   يملأ قربه ويترك حبل الفحل  ليغمض هو عينيه جالسا على ظهر ابوسريع الصبور  فينام ويواصل ابوسريع سيره ليستقر امام خيمة  عوض السقاء الذى يواصل نومه  مستعطفا فى الحلم ابنه الوحيد سيد حتى لايغادر الى بلاد الغربة البعيده ،وحيه اولى به كما يقول عوض.. عمل سيد مع عوض ابيه بعد رحيل زوجته سميه الحوكش الحفار ، لكن سيد زهق من العمل كسقاء على فحل   ابيه يتناوب معه ورديات يوميات ماء خيام حى العكريه .

عرض عوض على ابنه الزواج من اى فتاة من فتيات الحى حتى ولو كانت بنت محمدين اقدم خفير فى الحى ليربطه بارضه لكن سيد كان قد حسم امره واتخذ قراره بمغادرة الحى  الضيق الى الحواضر  الوسيعه ، وسوف يعمل فى كل المهن التى يجيدها وكان يعمل فيها فى حى العكريه كالحداده والنجاره ، وستفتح له الحواضر ازرعتها لبراعته فى هذه المهن.

سافر سيد ولد عوض السقاء منذ سنين ، ولم ياتى عنه اى خبر فلقد انقطعت اخباره حتى أوشك عوض ان يفقد الامل فى عودة ابنه الى الحى فكان يردد دائما : يعوض الله .. يعوض الله ..، وظل  صوته يعلو حتى أفاق من نومه ليجد نفسه  امام الخيمة  فنزل من فوق ظهر فحله واتجه الاثنان الى النوم ليواصلا فى فجر الغد عملهم .



 قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@gmail.com


===========================================================================


 عوالم الغجر


81

الاسطى بليه الفلنكاح



من شارع الجمهوريه اول فيصل

بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى

زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات

والمخدرات




الاسطى بليه الفلنكاح


وقف عامر ولد عبد البر فى مجمع الطرق المؤدية الى كل دروب الصحراء  الصغرى باكيا تتدفق  دموعه انهارا بعد ان فقد كل اسرته فى الحريق الذى نشب فى القافلة الغريبة حين حطت تلتقط انفاسها من عناء السفر الدائم لهم فهم غجر نايره الرحل ، وحين زادت نايره الجده كبيرة القافلة من نيران موقدها لتسوية طعام الصغار لشدة بكائهم امتدت ألسنتها الى ركاب الابل  لتلتهم كل افراد القبيلة ولم ينجو منه سوى خمسة صغار كان عامر من بينهم ولم يزل فى الخامسة من عمره.

رقت قلوب اهل درب  تل نحيره  فأحاطت الصغير بالعطف والاحسان بالمأكل والمشرب والملبس والمبيت فى خيمة الغرباء ملتحفا الفضاء .

مرت ايام كثيره على عامر، لم يقو على عدها حتى رزقه الله بأم حمو التى ودعت ابنها حمو منذ سنين ليعمل على سفينة  عطيه لمو ببحر الملح  ولم ترجع السفينة  بعد رحيلها منذ عشر سنوات .

فرحت ام حمو بالرزق الذى ارسله لها الله فاحتضنته داخل خيمتها فيوما ما سيكون سندا لها فى الكبر بعد ان تبنته وشهد بذلك كل اهل الحى  .

اشتد عود الصغير فعرض على امه ام حمو ان يعمل صبيا لدى جارهم عبده عمرين   الحداد .. استحسنت الام الفكرة فلااحد يضمن الموت من الحياة ولن تبقى له ام حمو طيلة عمره فقررت المرور على عبده عمرين وعهدت اليه بالصغير عامر وأوصته كثيرا على المقطوع من شجرة والحيلة الذى خرجت به من الدنيا بعد ابنها حمو فأجابها  عبده الى  طلبها .

تعلم عامر اصول المهنة على يد عبده عمرين  وعرف فى البداية ببليه الصغير حتى اصبح واحدا من الاسطوات الذين يعملون فى الورشة  وصار لديه صبى صغير اطلق عليه بليه لكن عامر  قرر ان يحتفظ بلقب بليه تيمنا به فلم يفارقه ابدا واضيف له الفلنكاح لأنه قادم من الفلاحين المجاورين  للصحراء الصغرى او كما قيل فى بعض الروايات بعدما نسى هو نفسه كواحد من ابناء غجر نايره الرحل  .

عشق الاسطى بليه الفلنكاح التجريب فى الحدادة وصهر الحديد وعرف بذلك لدى اهل تلال الصحراء الصغرى   والعابرين السبيل بها من الشمال الى الجنوب والعكس  حتى ذاع صيته وملأت شهرته الآفاق .

فرحت ام حمو كثيرا بابنها الذى لم يعد صغيرا وسعت بكل قواها ان تخطب له عروسه تستحقه لتفرح هى بأولاده فأعز من الولد ولد الولد .

رأت ام حمو رغبة الاستئثار بالزوج فى عيون كل من قابلت من الفتيات اللاتى رغبت فى خطبتهن لابنها بليه الفلنكاح  فلم تستقر على واحدة بعينها حتى تاريخه وواصلت بحثها عن العروسة التى سترضى بالاقامة معها اسفل سقف خيمتها مع ابنها  الذى تكفل بتجديدها  بليه الفلنكاح بعد ان كانت ممزقة الجوانب والسقف .. لن تفقد ام حمو ابنها الثانى كما فقدت حمو الذى ضاع مع مركب عطيه لمو .

سمعت ام حمو عن ابنة عبده عمرين  التى حجبتها هنيه زوجة عبده عن العيون بعد ان اعتزلت الخروج من الخيمة فى الثامنة من عمرها فعقدت العزم على زيارة هنيه التى رحبت بخطبة ام حمو لابنتها هديه لعامر ابنها فعامر رباه عبده عمرين  زوجها تربية الاب لابنه الذى لم يرزقه ، وامهلتها هنية فترة لعرض الامر على عبده عمرين  فأذا ماوافق فستحدد ميعادا لخطبة عامر وهديه.

انتظر عامر قرار الموافقه فى احر من الجمر بعد ان طار لبه لوصف امه للجميلة هديه ، وبعد ايام زفت هنيه خبر الموافقه الى ام حمو لتملأ الحى  بزغاريدها التى لم تنقطع صباح مساء  لتعلم كل الاهالى بخطبة ابنها عامر لهديه بنت عبده عمرين  اجمل فتيات الصحراء الصغرى   والتى ستقيم معها اسفل سقف خيمتها مع ابنها بليه الفلنكاح .

طار عقل عامر من الفرح فركب لى طلمبة  مياه غير مطابقه للمواصفات  لتسد فوهة المياه المنطلق من البئر الى الموتور مما ادى الى قفش الموتور وحرقه فكنت اول ضحايا فرحة الاسطى بليه الفلنكاح .


قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com

==============================