الأربعاء، 2 سبتمبر 2020

 


البغال

من شارع الجمهوريه اول فيصل

فى زمن الكورونا والالعاب الناريه والمخدرات ليل نهار


البغال

تقلب سومه بنت دوسه فى البغال التى أمامها حتى يستقر رأيها على العدد الذى ستستبقيه فى الخدمة وتستبعد المتهالك غير القادر على العمل ليأخذ طريقه الى الاعدام رميا برصاص السمّاوى المتخصص فى اصطياد الكلاب المسعورة والضالة .

يتصدر شباب البغال الفتية القائمة أمام مدخل حظيرة سومه بنت دوسه الشهيره  فينشرح صدرها لتخصص الاقوى والاكثر تماسكا لشد كريتات الشيخ طحيمر البلكاوى صاحب وادى النخيل  وولى نعمة العاملين بها ، وكريتات الهوانم زوجته وبناته الخمس اللاتى أوشكن على الزواج .

يقع اختيار سومه على أفضل ستة بغال لشد كريتات الشيخ  وستة آخرين احتياطيا لهم فاذا مانال التعب من الاوائل حلّوا مكانهم حتى يستعيدوا قواهم فيعودوا الى العمل .. تنظر سومه باشفاق الى البغل الثالث عشر الذى يحمل تبعة شؤم الرقم وترتعد فرائصه ، ولايقوى على الوقوف فتقف سومه على قلبها وتخطو عليه بعيدا عن دموع البغل العجوز وتعطى الاشارة الى السمّاوى الذى يقود البغل الى الخارج فى الارض الفضاء خلف الحظيرة  وتسمع بعد دقائق صوت الطلق النارى يخترق قلب العجوز .

تقف بنت دوسه حائرة أمام تسع وتسعين بغل تود أن تستبعد منهم تسعا واربعين وتستبقى الخمسين لتوزعهم على عيون القبائل  ممن يؤجر البغال من حظيرتها  .. سيأخذ ناظر وادى النخيل  أربعة بغال أساسى واربعة احتياطى لشد كريتاته ، وسيأخذ مهندس التنقيب  أربعة وأربعة .

تنطلق بين كل دقيقة ودقيقة طلقة من بندقية السمّاوى لتصيب العجائز من البغال فى قلوبها فتشعر سومه بنت دوسه بانتعاشة وراحة بال للتخلص من أعباء أكل هذه البغال غير المفيدة .

تواصل سومه توزيع البغال المتبقية على بقية أهل الواحة من الراغبين فى تأتجيرها ،  وتطلق الخيول على اناث الحمير فتتزاوج لتنجب  بعد ذلك بغالا تحل محل البغال غير القادرة على العمل مع عدم تزاوجها فالبغال لاتنجب .

قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com




الثلاثاء، 1 سبتمبر 2020

 


الخرزه

من شارع الجمهوريه اول فيصل

فى زمن الكورونا والالعاب الناريه والمخدرات ليل نهار


الخرزه

تبحث سونه النونى عن خرزتها الزرقاء التى وضعتها أمها دوسه الرايق على صدرها فى لحظة ميلادها لتحميها من شر الحاسدين ، ولم  تفارقها لحظة حتى خلعتها لتضع القلادة التى أهدتها اليها عميشه خفناهى المسبله لتعيّنها مديرا لدائرة الخبز بدلا من غريمتها معزوزه الوردى التى تنازعها فى تبوء كل الدوائر والمناصب منذ تم تعيينهما فى يوم واحد بسن واحدة لاتزيد يوما أوتنقص .

تقلّب سونه فى كل الاوراق التى أمامها على مكتبها بأطراف الحضر  ، وتركع عميشه على ركبتيها لتبحث أسفل المكتب عن الخرزه العزيزه على قلب سونه النونى رئيس المعايش بدائرة التمويل الداخلى فلاتجدها وترسم علامات الحزن على وجهها لتشارك رئيستها المشاعر على الفقيدة الغالية .

تضع سونه يدها على صدرها وتتحسس مكان الخرزة الزرقاء المحفور منذ زمن بعيد فتصطدم يدها بالقلادة الذهبية وتنظر الى عينى عميشه الدامعتين فتطمئن الى مشاركتها الوجدانية فتتماسك وتعاود البحث ثانية .

تحاول سونه الوقوف والاتجاه الى منتصف الخيمه حيث يوجد اناء الورود الخزفى الذى يتوسط المنضدة الجريد القصيرة التى تجلس عليها عميشة بعد كل محاولة للبحث عن الخرزة الزرقاء .. أفرغت سونه كل الورود الصفراء التى تعشقها من الاناء الخزفى وأدخلت يدها تتحسس كل الجوانب الخشنة فى الاناء فلم تجد خرزتها الحبيبة هدية الغالية دوسه الرايق .

تعيد عميشه خفناهى المسبلة الورود الى مكانها وتفتش بعينيها فى أركان الغرفة فى محاولة جديدة للبحث عن خرزة سونه فلاتجدها .. تزلزل صرخات معزوزه الوردى باب غرفة سونه المجاور لباب غرفتها فتسرع سونه وعميشه الى نجدتها فتزداد تقلصات بطنها ، ويتم نقلها الى وحدة الرعاية بالدائرة التى تقوم باجراء الاسعافات الأولية والتى لم تفلح ، وتكشف الاشعة عن استقرار خرزة سونه الزرقاء فى معدة معزوزة بعد شربها لكوب  شربات الورد فى مكتب سونه ولم تفلح محتولات الاطباء فى استخراج الخرزة الغالية .

حزنت سونه النونى كثيرا على هدية أمها التى كانت تحميها من الحسد وتجلب لها الحظ .. لم تكد سونه تجلس على مكتبها حتى صدر قرار رئيس دائرة التمويل بتعيين معزوزه الوردى مديرا عاما للمعايش بدلا من سونه النونى بعد أن جاءها الحظ مسرعا على يد الخرزة الزرقاء المختبئة داخل معدتها .


قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


 


الدبه البيضاء

من شارع الجمهوريه اول فيصل

فى زمن الكورونا والالعاب الناريه والمخدرات ليل نهار

الدبه البيضاء


خرجت دبة بيضاء تبحث عن لون آخر غير اللون الذى يحمله قطيعها منذ زمن بعيد فلقد ملّت الدبة اللون الذى يعكس كل أشعة الشمس ويحرمها من دفىء الشتاء  الذى تشعر به سائر الدببة الملونين والتى تمتص جلودها كل أشعة الشمس لتخرج ألسنتها من شدة حرارة الأجساد .

غادرت الدبة البيضاء أرض قومها فاتسعت المسافات وتعددت الطرقات أمامها فتحيّرت فى دخول أى من الطرق الرملية المحشوة بالتلال  أو الممهدة التى فقدت الأشارات الدالة على وجود جماعات من الدببة الملونة مع نهاية أى طريق منها .

صرخت الدبة البيضاء فى الفضاء ليأتيها الصدى ، ولم يأتها بصوت آخر  غير صوتها  .. صمتت الجميلة لتستمتع بترديد نهايات صوتها ثم وصل الى أسماعها همهمات بشرية فدارت بجسدها حول محور ارتكازها وفتشت بعيونها عن مصدر الهمهمة  لتجد الصمت فدخلها الخوف من المجهول الذى ينتظرها على أيدى البشر .

تقدم الدبة قدما وتؤخر الأخرى تجاه الطرق التى أمامها ، وأخيرا قررت العودة من حيث جاءت واستدارت لتعود وانطلقت بكل ماأوتيت من قوة فرارا من الأيدى المختبئة .

حالف الحظ الدبة البيضاء لمسافة مائة مترا ثم ارتفعت فى وجهها الشباك الليفيه المتينة لتطرحها أرضا ثم تتكالب عليها سائر الشباك لتنقلها الى أقفاص الصيادين .. تم حقن الدبة بمهدىء فشعرت بدوار شديد كاد أن يعصف برأسها واستكانت لحالتها خلف القضبان .

جاء الصيادون بدبة بيضاء صناعية فى نفس حجم الدبة البيضاء المتمردة ، وتم تحريكها بالريموت حتى استقرت فى وسط الساحة الفضاء وأصدرت أصوات الاستغاثة المسجلة فى داخلها ليخرج حشد من الدببة الملونة من كل الطرق المؤدية الى مركز الساحة حيث صوت الدبة البيضاء الصناعية .

التفت الدببة السمراء حول الدبة البيضاء التى توقف مسجل الصوت داخلها فراحوا يتشممون رائحتها  التى لم تحلو لهم وكانت غريبة فانصرفوا عنها لكن شباك الصيادين لم تمكنهم من المغادرة فالتقطت عددا كبيرا من الدببة التى تم حقنها بالمهدئات  ، وتم شحنها على الناقلات  لتأخذ طريقها الى الميناء حتى يتم نقلها الى حدائق المدائن الكبيرة  .. فرّ بعض من الدببة الملونة وعادت الى مخابئها  .. رأت الدبة البيضاء مايحدث ورفضت أن تكون طعما للملونين من الدببة  حتى تمكن الدببة السمراء من تحطيم الدبة الصناعية أمامها فى اليوم الخامس ، ولم يبق أمام الصيادين سوى الدبة البيضاء المتمردة فتم حقنها وتجويعها وزجّ بها الى قلب الساحة  ، وأوسعها الصيادون ضربا فأصدرت أصوات الاستغاثة من شدة الضرب فأسرع الصيادون الى الاختباء ، وجاء الدببة الملونون والتفوا حول البيضاء وسال ريقهم لكن سرعان ماأفاقوا الى أنفسهم وأرادوا أن يتأكدوا من حقيقة جنس البيضاء فانهال الجميع ينهش جسد البيضاء فتزيد من استغاثتها حتى سقطت ميتة بعدما تسببت فى الايقاع بعشرين من الدببة الملونة ، وفقد الصيادون الدبة  البيضاء المتمردة .

   

قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


 


الرايه

من شارع الجمهوريه اول فيصل

فى زمن الكورونا والالعاب الناريه والمخدرات ليل نهار

الرايه


يمد الصغار أيديهم  بالأرغفة الشمسى والقرص الى بشير فهمى كى يحصل كل منهم على بعض من الراية المملحة الملفوفة فى أحضان الورق الاصفر .

يقف بشير فهمى صغيرا لم يتجاوز الثامنة عند ملتقى المقابر فى صباح يوم عيد الفطر  المبارك حيث يعشق الصغار الملوحة بعد صيام دام ثلاثين يوما .

يرش بشير قليلا من ماء الملوحة على سمك الراية الصغير الذى أمامه فى قلب الصفيحة الكبيرة حتى تروق لعيون الصغار المتزاحمين حوله يكررون :  برغيف رايه .. بقرصه .. بكعكه .. ببرتقاله .. ببعض التمر .

يسرع بشير الى لف اللفائف فيفرح الصغار بافطارهم المنفصل بعيدا عن أسرهم الى جوار شواهد مقابر قبلى الواحة ، ويحصد بشير فى يوم العيد مقابل سبع صفائح يضعه فى الجوالين اللذين بجانبه حتى يمتلئان وتفرغ الصفائح ليسد احتياجات فهمى عثمان والده المريض بالربو من كثرة تعاطيه للتبغ المعسل القص الساخن ، وأمه نعمة الله حفظى لمدة شهرين وعشرة أيام الى أن يأتى عيد الأضحى المبارك ليأتى بصفائحه السبعة التى يملكها فهمى عثمان مليئة بسمك الراية المملح ليبيعها فتسد حاجتهم لمدة شهرين آخرين وعشرة أيام ليبدأ بشير فى خروجه الدائم بعد ذلك حاملا صفيحة واحدة أيام الجمع والآحاد حين يطلع الأحياء على موتاهم ترحما ، ولايبيع بشير فى هذه الأيام الا القليل من الراية المملحة حتى أن الصفيحة الواحدة تباع على مدى ثلاثة أسابيع فيقل جهد نعمة الله حفظى فى التمليح وفهمى عثمان فى لحم الصفائح ، ولاينزل بشير بحر الواحة المتصل بالبحر المالح الكبير  الا ليوم واحد بينما ينزل قبل الاعياد أيام السبت والاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس ليصطاد سمك الراية ببطن جلباب أمه القديم ، وتسرع نعمة الله الى وضعه طبقات فوق بعضها يفصل بينها الملح الكثير وقليل من البقايا لتعجل من تسويته ، ويقوم فهمى عثمان بتسخين مكواته الحديد على نيران الكانون الحجرى حتى تتحول الى اللون الاحمر فيضع ماء النار على أطراف غطاء الصفيحة ويحكم اللحام ، وحين يفرغ من صفائح بشير يتجه الى مخزن تجار الملوحة الكبير - ومازال يسعل بقوة - ويبدأ فى لحم الصفائح لتخزن ويتم توزيعها على اسواق الحضرالذى يحب السمك المملح .

برغيف رايه .. بقرصه .. بكعكه .. ثم تختفى أصوات الصغار ايذانا برحيل النساء والصغار عن المقابر لتحمل نعمة الله حفظى جوالا من خير ربنا ، ويحمل بشير الجوال الثانى ويسبق أمه الى المنزل ليستحم ويرتدى جلبابه الجديد كى يلحق بالمراجيح التى تعلو به فى أجواء الفضاء ثم تهبط به الى الأرض مع اقتراب رحيل الشمس ، وليستمع  الى شاعر الربابة ومازالت رائحته تفوح بماء ملوحة سمك الرايه .

قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com


 


البركه

من شارع الجمهوريه اول فيصل

فى زمن الكورونا والالعاب الناريه والمخدرات ليل نهار

البركه


تفجرت العيون فى قلب الدروب فتجرد الصغار من ملابسهم كى يسبحون للعبور من الجانب الأيمن الى الأيسر بعرض ثلاثة أمتار وعمق المتر ونصف .

يحمل كل صغير ملابسه بيده اليسرى ويرفعها فى الهواء ، ويضرب وجه الماء باليمنى والقدمين فيندفع الى الأمام كل حسب قوته .

يعود طلاب كتاتيب جزره  فيحملون حقائبهم التيلية الممتلئة بالكتب والكراريس لتمتلىء بالملابس الداخلية والخارجية والأحذية ويبعدونها عن سطح الماء ويواصلون السباحة باليد اليمنى فهى الاقوى دائما  حتى يصل كل منهم الى السلالم  الحصوية المرملة التى لايغطيها الماء فيتعلقون بالظاهر منها حتى يصعدون الى وجه الارض التى هجرها كل السكان  الى المخيمات حتى تبلع عيون أرض الدروب ماءها .

لزمت السيدات وبنات البنوت المخيمات لعدم المامهن بفن السباحة وفكرن كثيرا فى استخدام الطوافات المصنوعة من جلود الابل لتعينهم على التنقل من والى الأسواق حتى لايمل الرجال من صراعهم الدائم فى مسابقة السباحة لأربع أوخمس مرات يوميا ذهابا وأيابا من العمل واختراقا للأسواق تلبية للطلبات .

أسرع الشيوخ الى خيم المسنين واعتزلوا الابناء والاحفاد الذين انقطع بهم الاتصال لتخلل المياه كل شرايين وأوردة المناطق وعجزت القوارب الصغيرة عن قطع المسافة الكبيرة بين المنطقة وخيم المسنين .

تداخلت مياه الشرب ومياه البقايا ليشرب السكان الماء الجارى ، وجلس هواة الصيد يمسكون بسنانيرهم على الشاطئين ليلتقطوا أسماكهم الصغيره التى لاتأتى مطلقا . .

مرّ شيخان كبيران عابرا سبيل بالدرب الطويل فانزلقت أقدامهما الى وسط البركة لتبتلعهما واحدة من الحفر التى لم يسدها عمال الحفر ,

لم تفلح محاولات ابناء الواحة فى انتشال جثتى الشيخ عويس الزغباوى الماوردى وزوجته زاهيه ، وابتلعت حفرة ثانية من بين الحفر كمال ونبويه ابنى شحاته غزال القهوجى .

كلّف ابناء الشيخ عويس افوكاتو ليرفع قضية لأبيهم وأخرى لأمهم ضد الجهات المعنيه ، وانضم اليهم شحاته مطالبا بالتعويض عن صغيريه .

بلغ اجمالى القضايا المرفوعه ضد الدوائر المعنية أربعا وعشرين قضيه فشكلّت الدوائر هيئة للدفاع وخصصت خمسة من المحامين للرد على الخصوم فى كل قضية حتى تمكن المائة والعشرون محاميا من كسب القضايا وطالبوا ابناء الشيخ عويس وشحاته بأتعاب المحامين أو الحكم بالحبس فى حالة عدم القدرة على السداد .

بحثت أقدام شحات وابناء الشيخ عويس عن الحفر الأربع الأخرى وانزلقوا فى قلبها لتغطيهم المياه المتدفقة من عين مياه الشرب ومجرى مياه الفضلات ، وطمست كل معالمهم مياه البركه .


قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com




 


الرماديون

من شارع الجمهوريه اول فيصل

فى زمن الكورونا والالعاب الناريه والمخدرات ليل نهار


الرماديون

يستقر الدرب الرمادى فى وسط الواحة  الكبيرة ويقسمها الى النصفين النصف البحرى والنصف القبلى .. يتشح النصف البحرى برقة طبع أهله وليونة لهجتهم التى تميل بشدة حتى تصل الى سطح البحر الكبير ..

ينزع اهل النصف الآخر الى الشدة فى الطباع وسوء السلوك الذى يميل الى العدوانية كلما اقتربوا من أشعة الشمس الحارقة مما أدى الى عدم اهتمام المسؤولين وانصرافهم عن أهل النصف القبلى الذين يملكون عيون الماء التى تروى كل الواحات  بدون مقابل ، ويسيطر الفقر على اهل الجنوب مع البشرة القاتمة على اجساد ابنائهم  .

ينعم ابناء الشمال بنسائم البحر الكبير والطمى الذى يحمل الخير الكثير الذى ينتج أكثر من غلة واحدة فى الموسم الواحد من مواسم السنة الاربعة فتبتهج بشرة المزارعين ، ويلّون أحمر الدم وجنات الفتيات الشديدة البياض .. تمضى فصول ثلاثة من السنة ويأتى الشتاء قاسيا فيغطى المناطق الشمالية بالجليد الذى يصيب كل  شيىء بالسكون فتفقد الكائنات حيويتها لمدة ثلاثة شهور  ، قد تصل فى بعض السنين الى خمسة حتى يجيىء الربيع ليعيد الجمال الذى تتسم به المناطق لكنه لايقوى على تغيير اى ملمح من ملامح الجنوب العنيد فيفر الكثير من ابنائه الى الدرب الرمادى فى منتصف الواحة الكبيرة ليلتقون بالمنبوذين من ابناء الشمال الذين ملّوا ليونة حياتهم ويسعون الى الخشونة فتجد الفتيات ماتبحثن عنه .

ينسجم الرماديون من أهل الشمال والجنوب وتطيب لهم الاقامة بين المنطقتين . يبدأ الدرب الرمادى فى الاتساع ليحتل بعد سنوات قليلة خمسا جديدا من الشمال وخمسا آخر من الجنوب ، وتتوافد اليه فى مواسم الشتاء جماعات الراغبين فى الاكتساء باللون الرمادى غير المحدد والتائه بين الابيض والاسمر .

يتزاوج القادمون من الجنوب بالقادمات من الشمال فيصبح لابنائهم أخوالا بلون الثلج وأعماما بلون الليل فيقضون مواسم الصيف لدى أخوالهم ومواسم الشتاء عند أعمامهم ويقيمون فى الربيع والخريف بالدرب الرمادى الذى أذاب الحدود بين النصفين وصبغ طباع اهل الجنوب بالنعومة وكسا ابناء الشمال خشونة ليلتقى الاثنان فى منتصف الواحة الكبيرة ويتلونون باللون الرمادى .


قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com

 

 


الشحم اللذيذ

من شارع الجمهوريه اول فيصل

فى زمن الكورونا والالعاب الناريه والمخدرات ليل نهار


الشحم اللذيذ

تتدلى الالسنة المحمرة الطويلة حتى توشك ان تلامس الارض من شدة العطش والجوع .. ينتظر الحراس موعد الغذاء بعد ثلاثة أيام من التجويع التام .. تقترب اشعة الشمس المتسلله مستقرة على الحائط الكبير فتتعلق العيون بها ، وحين تختفى يفتح الحراس الابواب  فتنطلق الكلاب المدربة كالمسعورة تفتش فى السراديب الملتوية عن الطعام والشراب .

تنهى الكلاب عملية بحثها الشاق بعد خمسة عشر دقيقة عبر عشرين كيلومترا من السراديب التى يؤدى كل منها الى الآخر فى دوائر لامتناهيه توهم الداخل بقرب نهايتها البعيدة ولاتأتى الابحاسة الشم القوية لدى الكلاب المدربة .

تتزاحم الكلاب حول دائرة اللحوم المستوية المطلية بالشحم  ثم تشيح بوجوهها وتتراجع حتى توشك على الانصراف فيمزق الجوع جدران امعائهم ليعاودوا شم الشحم ويلعقونه حتى يكشف عن اللحم اللذيذ الذى يعشقونه .

ينفض جمع الاقوياء بعد الشبع ليحل محلهم الاقل قوة حتى يشبع الجميع ، ومازالت الالسنة الحمراء الطويلة تتدلى فتلامس الارض من شدة العطش .. تهتز الآذان المدربة بمجرد سماعها تساقط نقط الماء فى الحوض فتسرى الدماء فى عروقهم ويستعيدوا قواهم ويبدأون رحلة البحث فى سراديب التيه الملتوية لمدة نصف الساعة حتى يهتدى واحد من المائة الى المكان فيظل ينبح حتى يدل الآخرين الذين يسارعون الى مكانه .

يرتشف الكلب الاخير آخر نقطة ماء بالحوض ويركن الجميع الى الجدران الرطبة ليناموا ويستيقظون قبل منتصف الليل بساعتين فلايجدوا الاكل أو الشرب ، ويمر اليوم الاول والثانى حتى يقترب موعد انحسار اشعة الشمس قبل مغيب  شمس اليوم الثالث فتسرى الهمهمات فى السماعات المنتشرة بطول السراديب فتتنبه الاجساد النائمة ، تلاشى الاشعة تنطلق الكلاب الى الشحم اللذيذ الذى أدمنته وتطيل لعقه ليكشف عن اللحم المشوى أوالمسلوق والذى لم يعد يغريها ثم ترتوى بالماء الصافى .

تمر الايام الثلاثة التالية ليأتى الرابع فيفاجىء الكلاب أجساد البشر المدهونة بالشحم اللذيذ فيستغربون المشهد ولايقتربون الامع سياط الحراس التى تلهب اجسادهم ليتعاملوا مع المارقين وقطاع الطريق نزلاء الانفاق الغربية فى الواحة الكبرى  .. تنطلق صرخات النزلاء هلعا من لعق الالسنة الحمراء الطويلة للشحم الذى يغطى كل جزء من اجزاء الجسم  العارى .. تتشمم الكلاب اللحوم غير المستوية فتبعد عنها وتكتفى بالشحم اللذيذ والماء الصافى .

ينتظم الحراس فى فتح السماعات ودق جرس انحسار اشعة الشمس  كل يوم فتنطلق صرخات النزلاء وتستمتع الكلاب بالشحم اللذيذ ، وذات يوم لم تكتفى الكلاب بالشحم وأطلقت أنيابها لتنهش أجساد النزلاء ليرحل معظمهم بالسكتة القلبية قبل التمزيق ورحل  الباقى بالتمزيق .

اصيبت الكلاب بالتخمة ولم تستطع التقاط أنفاسها فماتت بعد خمسة أيام ، وأقلع المارقون وقطاع الطريق عن الاقامة بالانفاق الغربية لبعدهم عن الاسباب التى تؤدى الى الشحم اللذيذ الذى ستدمنه الاجيال الجديدة من الكلاب المدربة .

قصة قصيرة بقلم / محمود حسن فرغلى 

عضو اتحاد الكتّاب

عضو نقابة المهن السينمائيه


mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com