175
ضاربة الودع
من شارع الجمهوريه اول فيصل
بين شارعى شريف وسعودى الصناديلى
زمن الكورونا و الالعاب الناريه والمفرقعات
والمخدرات
ضاربة الودع
ترعى عنزة أم زوين بين أعشاب الرحبة القليلة فى صحبة عنزاتها الثلاث مع بزوغ اول شعاع لنور الصبح .. تظل العنزة تأكل من طيب الارض حتى تمتلىء معدتها فتدر لبنا كثيرا يشبع اولادها وتحلب ام زوين ماتبقى لتقدمه افطارا للحارث ولد عنبة المغسله زوجها وأبنائها زوين وعتره وصابر ورحيمة البنت آخر العنقود السكر معقود ، كما تكرر بنت الغجر على أسماع كل شباب تل غجر زوين ليعلو مهرها.
ينطلق الاربعة كل الى عمله فتركب ام زوين حمارها مع الرمل والودع والدكر لترى طالع ابناء الحضر ويعلو صوتها كلما اقتربت من أطراف الحضر : اضرب الودع وأوشوش الدكر ، وأبين زين وأشوف.
يرعى زوين وعتره وصابر غنم شيوخ الاحياء الملاصقة لتل الغجر وتظل رحيمه لتغسل الملابس وتنشر الوسائد والاغطية فى شمس الصحراء تطهرها ، وتقدم الدواء لابيها الحارث ولد عنبه
الذى جاوز التسعين على غير سنة ابناء الغجر الذين يرحلون مبكرا ، وعمر ليكون ذاكرة لغجر تل زوين الجد الاكبر لهؤلاء الغجر دائمى الترحال والعودة الى التل يلتقطون الانفاس ليعاودوا الترحال والعودة .
تلف رحيمه لفافات التبغ التى يعشقها الحارث منذ نعومة أظافره كما عشق حسنية بنت الحايس ابرع لصوص الحمير وصباغيها بمختلف الالوان لبيعها فى اسواق التلال المحيطة فيشتريها أصحابها مرات ومرات حتى قتله صبيانه لطمعه الدائم وأكله اجزاءا من أنصبتهم ، وترك حسنية وحيده بلاسند ليقرر كبيرهم نوار عشم زوين شيخ قبيلنهم ان يخطبها له بعد عدوله عن الزواج لأكثر من عشرين عاما، وكان فارق العمر بينه وبين حسنيه ثلاثون عاما ليلة الدخول بها .
انجبت حسنيه للحارث اول مولود له فأسماه زوين ردا لجميل الشيخ عشم وابيه الذى زوجه حسنيه ثم أتبعت حسنيه انجابها لذكرين آخرين فى العشرة سنين الاولى من زواجهما ، وأقلعت عن الانجاب لعشرة سنين تاليه حتى صار سنها اربعين عاما ودخل الحارث السبعين من العمر فلم يراوده لقاء بنت الغجر مكتفيا بتعليم صغاره رعى غنم شيوخ قبائل الاحياء المجاوره لتل الغجر ليقلع عن الرعى بعد ان بشر بحمل حسنيه الاخير وكان فى الخامسة والسبعين فلزم الخيمة ليشرب الشاى الاسود ويدخن لفافات التبغ بديلا عن الدخان القص المعسل الحامى على صدره فى هذه السن المتأخرة من العمر .
برعت رحيمه فى لف لفافات التبغ لأبيها وهى فى العاشرة من عمرها بعد ان ارتعشت أصابع الحارث ولم تقوى على احتواء الدخان بين دفتى ورق البفره فلفتها حسنيه فى سرعة البرق وعلمت رحيمه الصغرى التى تصاحب الشيخ أثناء تجوالها عبر شوارع الحضر تضرب الودع ،كما علمتها قراءة وجوه زبائنها حين يوشوشون الذكر لتقرأ طوالعهم ، وتأخذ منهم لتعطيهم مجرد ثرثرة تريح عقولهم المتعطشة الى الافضل.
يطلب الحارث من رحيمه آخر العنقود شايا اسودا للمرة الخامسة هذا الصباح مع لفافة الدخان الخامسة ليخرج شهقة تسمعها رحيمه وهى تنشر الملابس فى الخارج فتهرول اليه لتثبت عيناه على صورتها ، ويظل فاتحا عينيه ورحيمه حائرة حتى عادت ضاربة الودع من رحلتها لتغمضهما وتجهز لدفنه بعد ان نسيت ان تعلم صغيرتها كيف تغلق عينى ابيها اذا مامات.
قصة قصيرة
ل : محمود حسن فرغلى
عضو اتحاد الكتاب
عضو نقابة المهن السينمائيه
البريد الاليكنرونى
mahmoudhassanfarghaly@yahoo.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق